مراتى لبنها كان ناشف

لمحة نيوز

الطوارئ أول ما الدكتورة كشفت على آية، ملامحها اتغيرت فورًا.
هي بقالها قد إيه مبتاكلش كويس؟
رامي حس إن الأرض بتسحب من تحت رجليه.
آية حاولت تداري أنا كنت باكل عادي.
لكن الدكتورة قاطعتها بحزم لأ، مش عادي. دي عندها سوء تغذية حاد، وجفاف، وضعف شديد جدًا بعد الولادة وجسمها أصلًا مش لاقي طاقة ينتج لبن.
رامي غمّض عينه بألم.
الدكتورة كملت وهي بتبص له بعتاب الست بعد الولادة محتاجة رعاية وأكل وسوائل وراحة نفسية مش ضغط وتجويع.
كل كلمة كانت صفعة على وشه.
يوسف كمان اتكشف عليه والدكتور قال إن وزنه نازل بشكل مقلق، ولازم يبدأ لبن صناعي فورًا مع متابعة مستمرة.
رامي اشترى في نفس الليلة كل حاجة علب لبن أدوية فيتامينات فاكهة وجاب ممرضة تيجي تساعد آية كام ساعة كل يوم.
ولما رجعوا البيت، أول حاجة عملها إنه أخد مفاتيح التلاجة ورماها في الزبالة.
وبعدين فتح التلاجة قدام آية بنفسه. كانت فاضية تقريبًا
بس في الدرج السفلي كان فيه أكياس لحمة وفراخ وفاكهة متخزنين.
مستخبيين.
آية أول ما شافتهم وشها انهار.
همست كنت بشوفهم بس مكنتش أقدر ألمس حاجة.
رامي سند بإيده على التلاجة وحس إنه هيقع.
أمه كانت بتجوعها عمدًا فعلًا.
مش سوء تفاهم مش قسوة عابرة
تعذيب.
وفي الليلة دي بعد ما آية أكلت أول وجبة حقيقية من وقت الولادة، وأخذت الدوا ونامت من التعب رامي دخل الحمام وقفله على نفسه.
وقعد يعيط.
يعيط بصوت مكتوم ويخبط دماغه في الحيطة.
كان فاكر إنه راجل بيحافظ على أمه فاكر إنه بيعمل الصح لكنه اكتشف إنه كان شريك في أذية مراته، حتى لو بغبائه وسكوته.
ومن يومها كل حاجة اتغيرت.
رامي بقى هو اللي يصحى بالليل يعمل الرضعة. وهو اللي يطبخ. وهو اللي يقعد جنب آية وهي بتاكل، كأنه بيحاول يعوض كل لقمة ناقصة فاتتها.
أما الحاجة شريفة ففي أول أسبوع فضلت تبعت رسايل كلها صويت ودعوات إنها اتظلمت.
لكن رامي لأول مرة ما ردش.
لحد ما في يوم وصلته رسالة من رقم خاله مصطفى الحق أمك وقعت ومحدش
معاها.
قرأ الرسالة وسكت طويلًا.
ثم بص ناحية أوضة النوم شاف آية نايمة وحاضنة يوسف، ووشها أخيرًا بدأ يرجع فيه لون الحياة.
وقف مكانه بين قلبه كابن وقلبه كزوج وأب.
وكان لازم يختار رامي فضل ماسك الموبايل دقيقة كاملة يبص للرسالة ويرجع يبص على أوضة النوم.
أمه الست اللي شالته وربّته وتعبت فيه سنين.
وآية البنت اللي سلمته نفسها وبيتها وعمرها، فخذلها في أكتر وقت كانت محتاجاه فيه.
قلبه كان بيتقطع بين الاتنين.
دخل الأوضة بهدوء يوسف كان نايم على صدر آية، وإيدها الصغيرة محاوطة ابنه كأنها خايفة الدنيا كلها تخطفه منها.
قرب رامي منها ففتحت عينيها بتعب.
همس خالي بعت أمي تعبانة.
آية سكتت ثواني ثم قالت بهدوء موجوع روح لها.
اتصدم.
بعد اللي عملته فيكي؟
نزلت عينها على يوسف مهما كانت دي أمك يا رامي.
الكلمة كسرت فيه حاجة.
هو كان مستني منها تمنعه تصرخ تقوله اختار.
لكنها كانت أرحم من الكل.
راح لخاله مصطفى بسرعة. ولما دخل الشقة لقى الحاجة شريفة واقعة على الكنبة، وشها شاحب وأنفاسها سريعة.
أول ما شافته لفت وشها الناحية التانية.
خاله قال بضيق من ساعة ما جيت وهي لا بتاكل ولا بتشرب الضغط عندها عالي.
رامي قرب ببطء يا أمي
قالت وهي مغمضة عينيها سيبني أموت أحسن ما أنا خلاص بقيت عدوة ابنك.
رامي حس بغصة لكن لأول مرة، ما جريش يحضنها ويعتذر تلقائي.
قال بهدوء أنتِ أمي وعمري ما هبطل أبرك بس اللي عملتيه كان حرام.
فتحت عينيها بعصبية حرام؟! أنا كنت بخاف عليك منها! الستات لما الراجل يتعلق بيهم بينسوا أمه!
فقمتي تجوعيها؟
سكتت.
رامي كمل وصوته بيرتعش كنتِ شايفة جسمها بيضعف كل يوم وابني بيصرخ من الجوع وبرضه كمّلتي.
الحاجة شريفة بصت بعيد ولأول مرة ملامحها اتكسرت.
وقالت بصوت أهدى أنا اتربيت إن الكنة لازم تتكسر عينها الأول عشان متقلبش ابنك عليك.
رامي قعد قدامها مصدوم.
دي مش شيطانة زي ما تخيل دي ست اتشوّهت من سنين طويلة من القسوة، وورثت الأذى على إنه تربية.
لكن
الأذى فضل أذى.
قال بحسم اللي حصل مش هينفع يعدّي عادي يا أمي.
بدأت تعيط هتحرمني منك؟
لأ بس مش هرجعك البيت دلوقتي.
شهقت بألم.
فكمل آية لسه بتخف وكل ما تشوفك بترتعش. وأنا لازم أصلح الخراب اللي حصل.
الحاجة شريفة غطت وشها وعيطت لأول مرة بضعف حقيقي مكنتش أقصد أوصلها لكدة
رامي رد بعين مليانة دموع بس وصلتي.
وسكت.
بعدها بأيام بدأ ياخد آية لدكتورة نفسية كمان، لأن الرعب اللي عاشته خلاها تخاف حتى تمد إيدها للأكل أحيانًا.
وكان كل يوم يحاول يرمم جزء صغير من روحها.
مرة جابلها ورد. مرة طبخ بإيده وحرق الأكل فضحكت لأول مرة من شهور. مرة صحي الفجر يلاقيها قاعدة تعيط عشان يوسف بيعيط، فقعد جنبها وقال مش لوحدك تاني.
ومع الوقت اللبن بدأ ينزل بالتدريج. ويوسف بطل يصرخ طول الليل. ووش آية رجع فيه لون خفيف.
وفي يوم رامي رجع من الشغل لقاها واقفة في المطبخ بتضحك وهي شايلة يوسف.
وقف يتأملها وحس إن البيت أخيرًا بدأ يبقى بيت.
آية بصت له وقالت بخفة مالك؟
ابتسم بحزن وقال ببص على المعجزة اللي كنت هضيعها بإيدي.
قرب منها باس راس يوسف ثم باس إيد آية.
فقالت بسرعة وهي مكسوفة بتبوس إيدي ليه؟
رد وهو عينه بتلمع عشان الست دي استحملت مني وجع لو جبل كان وقع.
وفي آخر الليل بعت رسالة لأمه
هفضل ابنك طول عمري بس آية مراتي ودي كرامتها من كرامتي. لو يوم رجعتي بيتي، لازم ترجعي بقلب جديد.
الرسالة اتقريت واتأخرت الإجابة.
لكن لأول مرة في حياته رامي كان مستعد يحمي بيته حتى لو كان الثمن إنه يواجه أقرب الناس ليه عدّى ست شهور
البيت اتغيّر تمامًا.
صوت صريخ يوسف اتحول لضحك صغير يملأ الشقة. آية رجع لونها وخدودها بدأت تتملي تاني، وبقت تضحك من قلبها بعد ما كانت حتى الابتسامة بتوجعها.
أما رامي فاتعلم درس عمره ما هينساه.
بقى كل ما يدخل البيت، أول حاجة يعملها إنه يبص في وش مراته كويس يسألها أكلتي؟ ارتحتي؟ محتاجة إيه؟
مش لأنه بيؤدي واجب لكن لأنه عرف إن الست ممكن تموت وهي ساكتة،
لو اللي حواليها اختاروا يصدقوا الأقوى بدل الموجوع.
الحاجة شريفة فضلت بعيدة طول الشهور دي. في الأول كانت مستنية ابنها يلين ويرجع يجري عليها زي كل مرة لكنه المرة دي كان ثابت.
كان يزورها يصرف عليها يوديها للدكتور لكن من غير ما يسمح لها ترجع البيت.
لحد يوم عيد ميلاد يوسف الأول.
آية كانت لابسة فستان بسيط سماوي، وشايلة يوسف اللي كان بيضحك وهو بيشد في الطرحة بتاعتها. البيت صغير بس مليان دفا.
وفجأة الباب خبط.
رامي فتح
ولقى أمه.
كانت أضعف بكتير وشعرها بقى أبيض أكتر وفي إيدها كيس صغير.
بصت له بخوف لأول مرة ينفع أشوف حفيدي؟
رامي سكت لحظة ثم فتح الباب بهدوء.
دخلت الحاجة شريفة بخطوات مترددة ولما عينيها وقعت على آية، نزلت رأسها في الأرض.
آية توترت إيديها شدت على يوسف تلقائي.
لكن اللي حصل بعدها محدش توقعه.
الحاجة شريفة قربت ببطء ثم فجأة نزلت على ركبها قدام آية.
رامي اتصدم يا أمي!
لكنها كانت بتعيط.
بكت الست القوية لأول مرة من قلبها وقالت بصوت متكسر سامحيني يا بنتي أنا ظلمتك ظلم عمره ما هيتغفر.
آية جمدت مكانها.
الحاجة شريفة كملت وهي بتشهق أنا اتربيت على القسوة وفكرتها قوة. كنت فاكرة لو دلعتِ ابني هتخديه مني فبقيت بحاربك ومخدتش بالي إني كنت بكسرك.
الدموع نزلت من عين آية.
والحاجة شريفة مدت إيديها المرتعشة حقك عليا والله لو ينفع أرجع الأيام وأجوع أنا بدلِك كنت عملتها.
الصمت ملي المكان
ثم حصلت المعجزة الصغيرة اللي محدش توقعها.
آية قربت ببطء ومسكت إيد حماتها.
وقالت بصوت هادي أنا مسامحاكي بس بشرط.
الحاجة شريفة بصتلها بلهفة أي شرط يا بنتي؟
آية بصت على يوسف ثم قالت عمره ما يكبر في بيت فيه ظلم ولا ست تتكسر فيه باسم التربية.
الحاجة شريفة انهارت في العياط وهزت رأسها وعد.
رامي كان واقف يتفرج وعينيه مليانة دموع.
وفهم أخيرًا إن البيت مش بيقف بالقوة ولا بالصوت العالي ولا بالطاعة العمياء.
البيت بيقف بالرحمة.
وفي آخر الليل بعد ما الكل مشي،
وآية نامت وهي حاضنة يوسف رامي قعد جنبهم يبصلهم في هدوء.
ثم همس لنفسه الحمد لله إن الحقيقة ظهرت قبل ما أخسرهم للأبد.

تم نسخ الرابط