مراتى لبنها كان ناشف

لمحة نيوز

محول اتحرق في الشغل، ومديرنا قالنا كلنا روحوا بيوتكم.. كانت الساعة لسه 11 الصبح.
فكرت أتصل بأمي أو آية أقولهم إني جاي.. وبعدين قلت لأ.
خليها مفاجأة..
عدّيت على صيدلية كبيرة وجبت أكبر علبة لبن صناعي مستورد غالية جدًا كنت بقول عليها زمان ملهاش لازمة، وجبت علبة فيتامينات لآية وشوية فاكهة محترمة.
ودخلت الشقة...
الباب كان موارب.
البيت هادي بشكل يخوف...
وفجأة شوفتها..
مراتي..
كانت قاعدة على الأرض في ركن مستخبي ورا السفرة، وبتاكل بسرعة.. بسرعة مرعبة كأن حد هيخطف منها اللقمة.
ولما نطقت اسمها..
اتنفضت كأنها اتقفشت بتسرق.
رامي؟! أنت إيه اللي جابك دلوقتي؟!
حاولت تخبي الطبق ورا ضهرها.
قربت منها وقلبي بيدق بعنف
أنتي بتاكلي إيه؟
مفيش.. دي لقمة صغيرة.
وريني الطبق.
لا يا رامي.. عشان خاطري.
شديته من إيدها بالعافية...
وأول ما شوفته، معدتي قلبت.
رز بايت متعفن.. شوربة مية بدهن بايت.. حتت لحمة ريحتها حمضانة.. عضم فراخ ممصوص.. ودماغ سمكة ناشفة...
زبالة.
أكل مستحيل يتحط لحيوان، مش ست والدة من أسبوعين!
صرخت فيها
إيه ده يا آية؟!
وفجأة انهارت...
وقعت على ركبها وهي بتترعش
أرجوك متقولش للحاجة شريفة! والله كنت جعانة.. جعانة أوي.. هي مبتسبليش أكل غير ده.. وبتقولي الفضلات دي فيها بركة!
في اللحظة دي...
حسيت إن حد خبطني بمطرقة على دماغي.

بصيت لمراتي...
لجسمها الدبلان.. لوشها الأصفر.. لرعبها من أمي...
وفهمت كل حاجة.
فهمت ليه اللبن ناشف.
وليه ابني بيصرخ.
وليه مراتي كانت بتموت قدامي بالبطيء وأنا فاكرها مقصرة.
قلت بصوت مكسور
آية.. هو ده الأكل اللي أنتي بتاكليه بقالك أسبوعين؟! هو ده الشهد والملك اللي أمي بتقول عليه؟!
غطت وشها وفضلت تعيط...
والسكوت والكسرة جاوبوني على كل الأسئلة قبل ما تنطق بكلمة واحدة!
وعرفت في الثواني دي إن أمي كانت بتاخد الفلوس في جيبها وتجوّع مراتي وتأكلها فضلات الزبالة، وتفهمني إنها بتمثل.. عشان تموتها بالبطيء وتكرهني فيها!
تفتكروا رامي هيعمل إيه مع أمه الحاجة شريفة أول ما تدخل المطبخ وتلاقيه كاشف الحقيقة وماسك طبق الفضلات؟ والمواجهة اللي هتحصل بين الأم والابن شكلها إيه بعد ما عرف إنها سرقت فلوسه وجوّعت مراته النفاس؟ وإزاي رامي هيرد اعتبار آية ويصلح الغلط اللي عمله؟
الهواري
ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺرامي لفّ ببطء ناحية أمه كأن أول مرة يشوفها على حقيقتها.
بتقفلي التلاجة بالمفتاح؟
الحاجة شريفة ارتبكت للحظة، لكن كبرياءها منعها تتراجع أيوه بقفلها! أصل الهانم كانت بتبلع الأكل بلع! ما النفاس لازم تتربى وتتعلم الأصول!
رامي ضحك ضحكة مكسورة تخوف وحط الطبق على السفرة بعنف لدرجة إنه اتكسر وتناثر الأكل على الأرض.
يوسف صحي من النوم وبدأ
يعيط آية بسرعة وهي نفسها بترتعش.
رامي بص لابنه ثم بص لمراته وشاف بعينيه الحقيقة اللي كان أعمى عنها.
وش آية كان أصفر. شفايفها ناشفة. عينيها غويطة من قلة الأكل والنوم والخوف.
وفجأة افتكر كل مرة اتهمها فيها بالتقصير كل مرة سابها تنهار لوحدها كل مرة كرر كلام أمه وهو فاكر نفسه راجل عادل.
حس إن قلبه بيتعصر.
الحاجة شريفة قربت منه وقالت بنبرة سامة إوعى تكون مصدق التمثيلية دي! الستات دلوقتي مدلعة وإحنا زمان كنا بنولد ونقوم نعجن ونخبز!
رامي رفع إيده في وشها مش علشان يضربها لكن لأول مرة يوقفها.
كفاية.
الكلمة خرجت هادية لكنها رجّت البيت كله.
كفاية يا أمي أنا عمري ما عليت صوتي عليكي بس النهاردة أنا شايف مراتي كانت بتموت وأنا واقف أتفرج.
قالت بعصبية عشان خاطرك! كنت بربيها!
صرخ بالتجويع؟! بتموت ابني من الجوع عشان تثبتي إنك صح؟!
سكتت.
ولأول مرة الحاجة شريفة ملقتش رد.
رامي دخل أوضة النوم فتح الدولاب وطلع شنطة أمه.
الحاجة شريفة اتصدمت إنت بتعمل إيه؟!
رد من غير ما يبصلها اللي كان لازم أعمله من أول يوم.
وحط هدومها جوه الشنطة بسرعة وعصبية.
آية قامت مرعوبة رامي بالله عليك دي والدتك.
لف لها بعين مليانة دموع وأنتِ مراتي أم ابني وأنا خذلتك.
الجملة وقعتها في العياط أكتر.
الحاجة شريفة بدأت تصوت هتطرد أمك عشان واحدة لسه داخلة بيتك؟
!
رامي وقف قدامها مباشرة لا بطرد الأذى من بيتي.
وساب الشنطة جنب الباب.
هتروحي عند خالي مصطفى النهاردة ولحد ما أفهم أنا ابقى ابن مين بالظبط، متدخليش البيت ده تاني.
الحاجة شريفة شهقت كأنها اتلطمت.
رامي! أنا أمك!
قال بصوت مهزوز والله لو كنتِ غريبة ما كنتيش عملتي كدة.
وبص لآية كانت بتحاول تهدي يوسف وهي بتعيط في صمت.
قرب منها بهدوء ركع قدامها لأول مرة من يوم ما اتجوزوا.
وقال بصوت متكسر بصيلي يا آية بالله عليكي بصيلي.
رفعت عينيها بالعافية.
فبكى.
بكى قدامها لأول مرة بكاء راجل اكتشف إنه كان السبب في كسر الإنسان الوحيد اللي حبه بصدق.
سامحيني أنا خذلتك سيبتك تتعذبي ومصدقتكيش.
آية دموعها نزلت أكتر وقالت بصوت مخنوق أنا كنت بموت يا رامي والله كنت جعانة أوي.
الكلمة نزلت عليه كسكينة.
فأخذ يوسف من إيدها برفق ولأول مرة لاحظ خفة جسم ابنه بشكل مرعب.
صرخ فورًا إلبسي يا آية إحنا رايحين المستشفى حالًا آية حاولت تقول مفيش داعي يا رامي أنا كويسة.
لكن صوتها نفسه كان ضعيف ضعيف لدرجة خوّفته أكتر.
رامي شال يوسف بإيد، وسند آية بالإيد التانية. أما الحاجة شريفة فكانت واقفة عند الباب مذهولة، بين الصدمة والكبر اللي مانعها تعترف بغلطها.
قبل ما يخرج، وقف رامي ثانية واحدة وبص لأمه.
لو آية أو ابني جرالهم حاجة عمري ما هسامحك ولا هسامح نفسي.
ونزل.

طول الطريق للمستشفى، آية كانت ساكتة. حاسس إنها حتى مبقاش عندها طاقة تزعل أو تعاتب.
دخلوا
تم نسخ الرابط