فى عيد ميلاد الثلاثه والسيتين

لمحة نيوز

ملامح رجل لم يعد وحيدًا تمامًا بعد شهرين
عادت الضحكات إلى البيت بحذر. كأن الجدران نفسها لا تثق بسهولة بما يحدث.
آدم صار يأتي إلى الورشة بعد المدرسة. يركض بين المعدات القديمة، ويرتدي خوذة أكبر من رأسه، بينما سيف يصرخ كل خمس دقائق حاسب يا ولد!
فيضحك الحاج كاظم للمرة الأولى من قلبه.
أما زهراء فلم تعد كما كانت.
في البداية ظنّ الجميع أنها غاضبة فقط لأن الخطة فشلت. لكن الحقيقة ظهرت تدريجيًا.
كانت ترى سيف يتغيّر كل يوم. يرجع متعبًا من الورشة. يجلس مع أبيه لساعات. ويضحك أحيانًا دون أن ينتبه.
شيء لم تستطع فهمه.
وفي إحدى الليالي دخلت عليه وهو يصلّح دفتر الحسابات القديم للحاج كاظم.
قالت ببرود أنت اتغيرت أوي.
أجاب دون أن يرفع عينيه يمكن لأول مرة بقيت طبيعي.
اقتربت أكثر يعني إيه؟ هنفضل طول عمرنا شغالين عند أبوك؟
رفع رأسه أخيرًا ونظر إليها طويلًا.
ثم قال لا إحنا هنشتغل معاه. وفي فرق كبير.
ضحكت بسخرية فرق إيه؟ في الآخر كل حاجة هتروح لآدم.
أغلق سيف الدفتر ببطء.
وقال بهدوء أخافها أكثر من الغضب وده أحسن قرار أبويا أخده في حياته.
تجمّدت ملامحها.
ثم همست حتى لو على حسابك؟
ردّ أنا كنت هخسر نفسي
لو أخدت كل حاجة بالطريقة دي.
ولأول مرة شعرت زهراء أن الرجل الذي أمامها لم يعد يمكن التحكم فيه كما السابق.
بعدها بأيام
استيقظ الحاج كاظم على رائحة خبز ساخن.
نزل إلى المطبخ متفاجئًا فوجد زهراء وحدها تعد الفطور.
ارتبك وجهها حين رأته.
قالت بسرعة الأطفال كانوا عايزين يفطروا هنا قبل المدرسة.
جلس بصمت.
وضعت أمامه الشاي بالطريقة التي كانت أمينة تفعلها تمامًا. نعناع خفيف. وسكر أقل.
نظر إلى الكوب طويلًا.
ثم قال دون قسوة أمينة علمتك؟
هزّت رأسها بخجل زمان أول الجواز.
ساد صمت قصير.
ثم قالت فجأة أنا كنت خايفة.
رفع عينيه إليها.
أكملت بصوت متردد كبرت وأنا شايفة أبويا مات وسابنا من غير حاجة. أمي اتبهدلت. وكل الناس اتخلوا عنا. كنت فاكرة إن الفلوس هي الأمان الوحيد.
تنهد الحاج كاظم ببطء.
وقال الخوف بيحوّل الناس لحاجات مش شبههم.
ثم رفع كوب الشاي وارتشف منه.
وأضاف بهدوء بس الطمع اختيار.
انخفضت عيناها إلى الأرض.
ولأول مرة منذ سنوات لم تجد ردًا.
وفي تلك الليلة
جمع الحاج كاظم العائلة كلها في الحديقة.
الأطفال يلعبون حوله. ورائحة الفحم والشيش طاووق تملأ الجو.
نظر إلى الوجوه حوله ثم إلى كرسي أمينة الفارغ.

لكنه هذه المرة لم يشعر بالوحدة نفسها.
رفع كأس الشاي وقال أمكم كانت تقول إن البيت اللي ما فيه رحمة يبقى مجرد حيطان.
ثم نظر إلى سيف وزهراء وآدم.
وأكمل بابتسامة هادئة وأظن إحنا أخيرًا رجعنا بيت من جديد مرّت سنة كاملة
وفي صباح شتوي هادئ، كان الحاج كاظم يجلس أمام الورشة القديمة، يراقب المطر الخفيف وهو يطرق الأرض برفق.
اللافتة الجديدة فوق الباب كانت تحمل اسمًا مختلفًا
ورشة أمينة وأولادها.
حين اقترح سيف الاسم أول مرة بكى الحاج كاظم بصمت داخل مكتبه حتى لا يراه أحد.
الورشة تغيّرت كثيرًا. أصبحت أكبر. أنظف. ودخلها أفضل.
لكن الشيء الوحيد الذي أصرّ الحاج كاظم ألا يتغير هو ذلك الكرسي الخشبي القديم قرب الباب.
كرسيه.
الذي كان يجلس عليه كل فجر مع أول كوب شاي.
في ذلك اليوم دخل آدم مسرعًا وهو يحمل شهادة مدرسية ويصرخ جدووو! طلعت الأول!
ضحك الحاج كاظم وفتح ذراعيه له.
ثم رفع الشهادة أمام عينيه المتعبتين وقال بفخر أكيد ابن الأصول ما يطلعش غير شاطر.
دخل سيف خلفه مباشرة، يحمل أكياس الطعام، بينما زهراء تتذمر لأن المطر أفسد شعرها.
لكنها كانت تضحك وهي تقولها.
ضحكات حقيقية هذه المرة.
جلسوا جميعًا داخل
الورشة حول طاولة صغيرة. شاي ساخن. خبز طازج. وفوضى عائلية دافئة.
نظر الحاج كاظم إليهم طويلًا
ثم شعر فجأة بشيء غريب.
هدوء عميق جدًا.
أعمق من التعب. وأهدأ من الحزن.
وضع استكان الشاي ببطء.
انتبه سيف فورًا بابا؟ مالك؟
ابتسم الحاج كاظم ابتسامة صغيرة.
تلك الابتسامة نفسها التي كان يبتسمها لأمينة حين تتوتر.
ثم قال بهدوء أنا كويس بس شكلي تعبت شوية.
أمسك سيف يده بسرعة.
وكانت باردة.
باردة بشكل أخافه.
صرخ هاتوا الدكتور بسرعة!
لكن الحاج كاظم شدّ على يد ابنه برفق.
ونظر إليه مباشرة.
للمرة الأخيرة.
وقال بصوت متقطع أوعى تخلي الفلوس أغلى من الناس يا سيف.
انفجرت دموع سيف فورًا.
هز رأسه بعنف لا لا يا بابا متسبنيش دلوقتي.
لكن الحاج كاظم كان ينظر فوقهم جميعًا
إلى شيء آخر.
شيء لا يراه سواهم.
ثم ظهرت على وجهه راحة غريبة.
وهمس بكلمة واحدة فقط
أمينة
وسقط رأسه بهدوء فوق كتف ابنه.
هذه المرة
لم يكن هناك صراخ. ولا خلافات. ولا أوراق ميراث.
فقط عائلة كاملة تتشبث برجلٍ أدركوا قيمته قبل فوات الأوان.
وفي جنازته
وقف سيف أمام الناس، صوته يرتجف، وقال
أبويا ما سابش لنا فلوس وبس ساب لنا فرصة نبقى بني آدمين.
وخلفه
كانت لافتة الورشة تتحرك مع الهواء الخفيف.
ورشة أمينة وأولادها.
كأن أمينة أخيرًا عادت إلى البيت.

تم نسخ الرابط