فى عيد ميلاد الثلاثه والسيتين
المحتويات
لم يتوقعه أحد.
شخصٍ سيحرمهم من كل شيء.
وعندها فقط
اختفت ابتسامة سيف للمرة الأولى.
الجزء الثاني سيكشف
لمن نقل الحاج كاظم البيت والورشة
ولماذا شعر سيف أن والده دفنه حيًّا قبل أن يموت؟
القصة كاملة اول التعليق ظلّت زهراء تفتح فمها وتغلقه كأن الكلمات خانتها فجأة.
أما سيف فبدا كمن تلقّى صفعة لم يسمع صوتها أحد غيره.
قال بصوت مبحوح كنت بتسجل لنا؟
أجاب الحاج كاظم وهو يطفئ شاشة الهاتف لا كنت بحاول أقنع نفسي إني فاهمكم غلط.
ثم نظر نحو آدم الصغير، الذي كان يقف خائفًا خلف الباب، لا يفهم لماذا تحوّل الغداء إلى معركة صامتة.
فتح الحاج كاظم ذراعيه له. فركض الطفل نحوه فورًا.
ضمّه الحاج كاظم إلى صدره، وربّت على شعره الأبيض الناعم، ثم قال دون أن ينظر إلى سيف الولد ده الوحيد اللي دخل بيتي لأنه يحبني مش لأنه مستني أموت.
ارتجفت شفتا سيف للحظة.
ولأول مرة منذ سنوات ظهر ذلك الطفل القديم داخل عينيه. الطفل الذي كان ينام فوق صدر أبيه وهو خائف من الظلام.
لكنه اختفى سريعًا.
قال بغضب يعني هتسيبني أبدأ من الصفر؟!
رفع الحاج كاظم عينيه إليه بثبات وأنا بدأت منين يا سيف؟
ساد صمت ثقيل.
حتى فاضل أبعد نظره احترامًا للحظة.
ثم أخرج الحاج كاظم ظرفًا آخر من الملف الأسود، ودفعه نحوه.
فتح سيف الورقة
كانت عقد شراكة.
خمسون بالمئة من أرباح الورشة سنويًا باسمه. وراتب ثابت. وحق إدارة كامل لكن دون أي حق في بيع الأصل أو رهنه أو التصرف فيه.
نظر سيف مذهولًا يعني ماطردتنيش؟
تنهد الحاج كاظم ببطء وقال أنا حرمتك من الجشع مش من الحياة.
أما زهراء فصرخت إزاي توافق على حاجة زي دي؟! ده حقك!
التفت إليها الحاج كاظم للمرة الأولى مباشرة الحق اللي يخليك تستني موت حد مش حق. ده طمع.
ثم وقف ببطء، رغم ألم ركبتيه، وقال من النهارده الورشة هترجع شغل شريف زي ما بدأت. اللي عايز يعيش معايا كعيلة أهلاً بيه. واللي مستني الورث يستريح من دلوقتي.
أمسك آدم بيده واتجه نحو الحديقة الصغيرة خلف البيت.
كانت الشمس تميل للغروب. ورائحة الياسمين التي زرعتها أمينة ما زالت موجودة.
جلس الحاج كاظم على الكرسي الخشبي القديم ونظر إلى السماء طويلًا.
ثم همس لنفسه أهو يا أمينة قدرت أحمي البيت أخيرًا.
وخلف الزجاج ظل سيف واقفًا مكانه، ينظر إلى العقد في يده كأن والده أعطاه آخر فرصة قبل أن يغلق الباب نهائيًا.
وفي تلك اللحظة فقط فهم لماذا قال أبوه ليلة عيد الميلاد
لقد تحققت أمنيتي بالفعل.
لأن الحاج كاظم لم يكن يتمنى الموت
بل كان يتمنى أن يعرف الحقيقة قبل فوات الأوان مرّت ثلاثة أسابيع
والبيت
لا زيارات مفاجئة. لا مكالمات عن الأوراق. ولا أحاديث طويلة عن الاستثمار والتأمين.
حتى زهراء اختفت تمامًا.
أما سيف، فكان يأتي كل صباح إلى الورشة في السابعة تمامًا. بلا عطرٍ فاخر. بلا قمصان باهظة. وبوجه متعب لم يعتد الحاج كاظم رؤيته.
في أول الأيام كان الصمت بينهما قاسيًا.
الحاج كاظم يقف قرب ماكينة القص القديمة. وسيف في الطرف الآخر يراجع الحسابات.
لا كلمة زائدة. لا عتاب. فقط صوت الحديد والزيت واحتكاك العمر بالندم.
وفي صباح يوم خميس دخل سيف الورشة مبكرًا أكثر من المعتاد.
كان يحمل بيده كيس فطور صغيرًا.
اقترب ووضعه أمام أبيه دون أن ينظر في عينيه فلافل بدون مخلل. زي ما بتحب.
توقفت يد الحاج كاظم فوق المفك.
تفصيلة صغيرة جدًا لكنه أدرك فجأة أن ابنه ما زال يتذكر.
جلسا يأكلان بصمت.
ثم قال سيف فجأة أنا كنت بخاف.
رفع الحاج كاظم عينيه نحوه.
أكمل سيف بصوت منخفض كل ما أشوفك قوي كنت بحس إني عمري ما هبقى كفاية. كنت فاكر إن الفلوس والورشة هما الطريقة الوحيدة اللي أحس بيها إني مهم.
ظل الحاج كاظم ساكتًا.
فقال سيف وهو يضحك بمرارة بس واضح إني اتحولت لوحش وأنا بحاول أثبت نفسي.
تنهد الحاج كاظم طويلًا ثم قال لأول مرة منذ تلك الليلة أنا كمان غلطت.
نظر إليه
قال الحاج كاظم أنا علمتك الشغل بس ما علمتكش الرحمة. علمتك إزاي تكسب بس ما علمتكش إزاي تخاف على الناس قبل الفلوس.
ارتجفت عينا سيف.
ثم فجأة جلس على الكرسي الخشبي الصغير، ودفن وجهه بين يديه.
وبكى.
بكى كما لم يبكِ منذ وفاة أمينة.
ظل الحاج كاظم يراقبه للحظات طويلة ثم اقترب ببطء، ووضع يده فوق كتفه.
ولأول مرة منذ سنوات لم يبتعد سيف.
في تلك الليلة عاد سيف وحده إلى البيت القديم.
دخل غرفة أمه.
كانت رائحة الخزانة ما تزال تحمل أثر عطرها الخفيف.
فتح الدرج الصغير قرب السرير فوجد رسالة قديمة لم يرها من قبل.
الورقة كانت صفراء قليلًا. ومكتوب فوقها بخط أمينة
إلى سيف إذا قرأت هذه الرسالة يومًا، فاعرف أن أباك يحبك أكثر مما يعرف كيف يقول.
جلس على الأرض ببطء وبدأ يقرأ، بينما قلبه يرتجف.
أبوك رجل تعب كثيرًا حتى يبني لكم الأمان. لكنه يظن دائمًا أن الحب يُثبت بالأفعال لا بالكلمات. وحين يكبر سيصبح أكثر قسوة في الظاهر، لأنه خائف في الداخل.
إذا رأيته يومًا عنيدًا اقترب منه، لا تبتعد.
وإذا شعرت أن المال أهم من العائلة تذكر أننا بدأنا من لا شيء، وكنا سعداء رغم ذلك.
توقفت الكلمات أمام عينيه.
ثم سقطت دمعة فوق الورقة.
وفي الخارج كان الحاج كاظم جالسًا في الحديقة، يحمل استكان
وعلى وجهه ظهرت لأول مرة منذ سنوات
متابعة القراءة