كنت قاعده لوحدي

لمحة نيوز

ومده لها من غير إلحاح.
كتبت رقمها، ورجعته له بسرعة كأن الموبايل سخن.
سليم بص للشاشة ثواني وقال
هبعتلك رسالة دلوقتي عشان تعرفي إنه رقمي فعلًا ومش رقم مدير الأمن مثلًا.
في نفس اللحظة، موبايلها اهتز.
سليم البارون.
بصت له وضحكت لأول مرة بصدق من قلبها من بعد شهور.
الأيام اللي بعدها عدّت غريبة.
سليم ماكانش بيبعت طول اليوم، ولا يختفي ويظهر بألعاب سخيفة.
كان موجود بشكل ثابت ومريح.
يبعت لها صورة لفنجان قهوة الساعة ٧ الصبح مع جملة
المترجمين بيصحوا بدري فعلًا ولا دي إشاعة؟
أو يسألها بالليل
خلصتي الكتاب اللي كنتِ بتشتغلي عليه؟
ولأول مرة، حد اهتم بشغلها فعلًا.
مش باعتباره هواية لطيفة، لكن شيء مهم.
حكت له عن الكتب الروسية اللي بتحبها، وعن أبوها، وعن خوفها الدائم إنها تكبر لوحدها.
وهو حكى قليل قليل جدًا.
عرفت إن أبوه مات وهو عنده ٢٨ سنة وسابه مسؤول عن الفندق وسلسلة ديون ضخمة.
وعرفت إنه كان مخطوب مرة، والخطوبة انتهت بهدوء بعد ما اكتشف إن البنت كانت بتحب فكرة سليم البارون أكتر منه هو.
وفي كل مرة كانت تحس إن بينهم خطوة زيادة كان يحصل شيء يرجعها تتوتر.
مرة وهم ماشيين في جاليري فني بالزمالك، بنت أنيقة جدًا سلمت على سليم بحرارة زيادة وقالت
مختفي يا سليم ولا دي أوامر المدام الجديدة؟
هنا اتجمدت تلقائيًا.
لكن سليم رد بهدوء
دي هنا وهنا مش بتحب التصنيفات السخيفة.
وبعدين كمّل مشي كأن الموقف انتهى.
بس بالنسبة لهنا ما انتهاش.
لأن الصوت القديم جواها رجع يهمس
الرجالة دي دايمًا عندها اختيارات أكتر وأنتِ في الآخر هتبقي مرحلة.
وفي الليلة دي، لأول مرة من بداية معرفتهم، مردتش على رسايله.
ولا حتى فتحتها.
لكن الساعة ١١ بالليل، جرس باب شقتها
رن هنا بصّت من العين السحرية وقلبها دق بسرعة.
كان سليم.
واقف برا الشقة بهدوء، لابس جاكيت أسود خفيف، وفي إيده كيس صغير من محل حلويات معروف.
فتحت الباب نص فتحة وقالت بتوتر
فيه حاجة حصلت؟
رفع الكيس قدامها
أيوه اشتريت بسبوسة زيادة ومحتاج حد ينقذني.
رغم قلقها، ضحكت غصب عنها.
لكنها ما فتحتش الباب بالكامل.
سليم لاحظ ده فورًا.
ونظرته هديت أكتر.
مش جاي أفرض نفسي عليكي يا هنا أنا بس حسّيت إنك زعلانة مني، ومبحبش أسيب المسافات تكبر بسبب تخمينات.
الكلمة الأخيرة ضربتها.
تخمينات.
لأن ده كان كل اللي عاشت بيه بعد تامر.
تخمين، خوف، قراءة زيادة لكل حركة.
سألته بصراحة موجوعة
البنت اللي قابلتنا النهارده كانت إيه بالنسبالك؟
سليم سكت ثانية، ثم قال ببساطة
حد كنت أعرفها زمان. وهي من النوع اللي بيحب يلمّح إن أي راجل كلمها يبقى كان واقع في حبها.
بس شكلها كانت قريبة منك.
أنا راجل معروف نسبيًا يا هنا طبيعي ناس كتير تبان قريبة.
الكلام كان منطقي لكنه وجعها أكتر.
قالت وهي باصة بعيد
وده بالظبط اللي مخوفني.
سليم ما دافعش عن نفسه بسرعة.
ولا قال الجملة السهلة أوعى تفكري كده.
بدل ده سألها بهدوء
مخوفك مني ولا من إحساسك؟
اتسمرت.
لأنها عرفت الإجابة فورًا وخافت منها.
همست
أنا بدأت أحب وجودك.
سليم قرب خطوة صغيرة فقط، كأنه بيقرب من طائر ممكن يخاف ويطير.
وقال بصوت واطي جدًا
وده المفروض يفرحني ليه حاسه إنه ذنب؟
عينيها لمعت بالدموع أخيرًا
عشان اللي قبلك خلاني أحس إن أي ست ترتاح تبقى غبية.
الصمت اللي حصل بعدها كان مليان وجع حقيقي.
وفجأة، سليم مد إيده الحرة ناحيتها ببطء شديد مش عشان يمسكها.
بس عشان يخلي عندها الاختيار.
هنا أنا مش هعاقبك على خوف حد
تاني زرعه جواكي.
الدموع نزلت منها بصمت.
ولأول مرة من ساعة تامر سابها حد ما طلبش منها تبقى قوية.
ولا متجاوزة.
ولا تنسى.
حد فقط فهم.
فتحت الباب أكتر أخيرًا.
دخل سليم الشقة بخطوات هادية، وبص حواليه بسرعة باحترام.
الشقة كانت صغيرة ودافية، مليانة كتب في كل مكان، وعلى الرف صورة قديمة لأبوها قدام البيانو.
سليم وقف قدام الصورة لحظة وقال بابتسامة خفيفة
واضح إنك شبهه.
هنا قربت من الصورة وبصتلها بحنان
كل الناس كانت تقول إني واخدة طيبته.
وده أحسن شبه.
راحوا قعدوا في الصالة، وأمها كانت نايمة جوه الأوضة، فكانوا بيتكلموا بصوت واطي.
أكلوا البسبوسة من نفس العلبة زي طفلين هاربين من العالم.
وفي وسط الكلام، موبايل هنا نَوّر فجأة برسالة جديدة.
من تامر.
اتجمدت.
سليم لمح التوتر في وشها، لكنه ما سألش.
فتحت الرسالة ببطء.
أنا تحت بيتك محتاج أشوفك خمس دقايق بس.
هنا حسّت الدم انسحب من وشها.
وسليم فهم فورًا من نظرتها إن الماضي وصل لحد باب البيت هنا فضلت باصة للموبايل كأن الرسالة رجعتها ست شهور لورا.
نفس الرجفة.
نفس الإحساس إن قلبها ممكن يضعف في ثانية.
لكن الفرق المرة دي إن سليم كان قاعد قدامها.
هادئ. ثابت.
ما سألهاش هتعمل إيه، وما قالش امسحيه أو متنزليش.
بس ساب لها حق القرار كامل.
وده لوحده خلاها تاخد نفسها.
بصت لسليم وقالت بصوت متردد
ممكن أتكلم معاه عشان أقفل الباب ده نهائي؟
سليم هز راسه بهدوء
القرار قرارك.
نزلت هنا تحت العمارة، وكانت إيديها ساقعة رغم حر أغسطس.
تامر كان واقف جنب عربيته، لابس قميص أبيض وساعته الغالية اللي اشترتها له في عيد ميلاده الأخير.
أول ما شافها، ابتسم بنفس الابتسامة اللي زمان كانت بتخلّي الدنيا كلها تهون.
لكن
الغريب إنها ما حسّتش بحاجة.
لا لهفة.
لا وجع.
ولا حتى شوق.
بس تعب قديم.
قال بسرعة
هنا إنتِ أحلى بكتير.
الكلمة عدّت عليها باردة.
عايز إيه يا تامر؟
اتوتر من طريقتها المباشرة، وقرب خطوة
غلطت. كنت مضغوط وخوفت من الجواز والمسؤولية والبنت التانية طلعت وهم. أنا اكتشفت إن
مفيش زيك.
هنا افتكرت الليالي اللي نامت فيها مكسورة، والناس اللي كانت تبص لها بشفقة، والرسالة الباردة اللي أنهى بيها كل حاجة.
وقالتهاله بهدوء
أنت ما خفتش من الجواز يا تامر أنت خفت تفضل مع حد بيحبك بجد.
سكت.
ولأول مرة، كان هو اللي مش لاقي كلام.
كملّت وهي رافعة عينيها بثبات
أنا فضلت شهور فاكرة إن فيا حاجة ناقصة خلتك تمشي بس الحقيقة إن اللي بيهرب بسهولة، عمره ما كان سند.
ملامحه اتكسرت شوية وقال بسرعة
طب نبدأ من جديد.
هنا ابتسمت ابتسامة هادية جدًا.
إحنا أصلًا ما عندناش جديد نبدأه.
ولفت عشان تمشي.
لكن تامر نادى عليها بلهفة
في حد تاني؟
وقفت هنا ثواني.
فوق، في بلكونة شقتها، كانت شايفة نور الصالة الدافي ومتخيلة سليم قاعد مستنيها من غير ضغط، ولا خوف، ولا تملك.
فردّت من غير ما تبص لتامر
أيوه في نفسي.
وسابته واقف لوحده.
طلعت الشقة، وقلبها خفيف لأول مرة من شهور.
فتحت الباب، لقت سليم واقف عند المكتبة، بيتأمل كتاب قديم لأبوها.
بص لها فور ما دخلت، ومن غير ما يسأل أي سؤال، عرف من وشها إن حاجة كبيرة انتهت.
قربت منه بخطوات بطيئة، وقالت بصوت مهزوز من كتر الراحة
أعتقد إني أخيرًا بطلت أستنى حد يرجع.
سليم ابتسم الابتسامة الهادية اللي بقت مألوفة لقلبها، وقال
كويس عشان اللي يستحقك، عمره ما هيمشي أصلًا.
وفي اللحظة دي، هنا فهمت حاجة أبوها كان يقصدها زمان لما كان يقول
بعض الناس بيدخلوا حياتنا كأغنية وبعضهم بيبقوا البيت اللي الأغنية بترجعله.
وسليم
ماكانش مجرد راجل قابلته في فرح.
كان الكرسي اللي أخيرًا ما بقاش فاضي.

تم نسخ الرابط