ماما، بابا عنده صاحبه
البيت اللي كانت فاكرة إنه اتهد
لسه واقف.
بس بشكل مختلف.
هي وابنها.
وده كان كفاية يبدأوا من جديد بعد سنة كاملة
كارميلا كانت واقفة قدام المراية بتلبس حلقها بهدوء، بينما ياسين بيجري في البيت وهو بيزعق
ماما بسرعة! طنط شيرين وصلت!
ضحكت لأول مرة من قلبها من زمان.
البيت بقى فيه روح تاني.
مش نفس الروح القديمة
لكن روح أهدى، أنضف، مافيهاش خوف.
ياسين دخل عليه تغيير كبير.
بقى يضحك أكتر.
ينام من غير كوابيس.
ولأول مرة بقى يرسم نفسه في المدرسة وهو مبتسم.
أما كارميلا
فكانت بتتعافى ببطء.
مش من خيانة جوزها بس.
من سنين كاملة كانت فيها بتحاول تثبت إنها تستحق الحب.
في ليلة شتوية، بعد ما الضيوف مشيوا، كانت قاعدة لوحدها ترتب الأكواب.
موبايلها رن.
رقم غريب.
ترددت ثواني وردت.
الصوت اللي جاوبها كان أهدى بكتير من آخر مرة سمعته.
كارميلا
ماجد.
سكتت.
وهو كمل بصوت مكسور
أنا خارج بكرة.
هي فهمت فورًا.
مدة حبسه خلصت.
قلبها دق بعنف للحظة
مش حب.
ولا اشتياق.
أثر قديم بس.
عايز إيه يا ماجد؟
سكت شوية قبل ما يقول
عايز أشوف ياسين.
كارميلا
كانت عارفة إن اليوم ده هييجي.
المحكمة هتحدد ده.
أنا عارف إني خسرت حق إني أطلب أي حاجة بس وحشني ابني.
صوته كان حقيقي المرة دي.
مرهق.
مكسور.
بس الوجع مايمسحش اللي حصل.
كارميلا قالت بهدوء
إنت ماخسرتش ياسين يوم اتحبست إنت خسرته يوم خوّفته.
وسكتت.
على الناحية التانية، ماجد كان بيعيط بصوت مكتوم.
لأول مرة.
أول مرة فعلًا.
أنا آسف.
الكلمة دي
زمان كانت ممكن توقعها.
لكن دلوقتي؟
مرت عليها بهدوء غريب.
لأنها اتغيرت.
قالت بهدوء
الاعتذار الحقيقي مش كلمة يا ماجد الاعتذار الحقيقي إنك تبقى إنسان أحسن حتى لو بعيد عننا.
وقفلت المكالمة.
من غير رعشة.
من غير دموع.
بس براحة عمرها ما حستها قبل كده.
بعد أسبوعين، المحكمة وافقت على زيارة مراقبة لياسين.
كارميلا كانت متوترة طول اليوم.
ولما رجع ابنها، نزل من العربية ساكت.
قلبها وقع.
جرت عليه.
مالك يا حبيبي؟
ياسين بص لها بعين محتارة وقال
بابا شكله كبر أوي.
الجملة خلت قلبها يوجع.
الأطفال بيشوفوا الحقيقة ببساطة مرعبة.
كان بيبصلي كأنه خايف إني أمشي.
كارميلا نزلت لمستواه.
وإنت حسيت بإيه؟
ياسين فكر شوية وقال
زعلت عليه.
الرد فاجأها.
بعد كل اللي حصل قلب الطفل ده لسه نضيف.
حضنته وهي بتحاول ماتعيطش.
وفجأة ياسين همس
بس أنا اخترتك إنتِ.
كارميلا ضحكت وسط دموعها.
وأنا كل يوم هختارك يا ياسين.
في آخر الليل، بعد ما نام، كارميلا خرجت الجنينة.
بصت للبيت الطويل الهادي.
تذكرت الليلة اللي اكتشفت فيها كل حاجة.
كانت فاكرة وقتها إن حياتها انتهت.
لكن الحقيقة؟
بعض النهايات
بتكون أول مرة الحياة تبدأ فيها صح بعد ثلاث سنين
الجنينة اللي كانت زمان شاهد على خوف كارميلا، بقت مليانة نور وضحك وأصوات ناس بتحبها بجد.
ياسين بقى عنده عشر سنين.
طويل شوية، وابتسامته بقت شبهها جدًا.
وفي يوم عيد ميلاده، كان بيجري بين الترابيزات مع صحابه، بينما كارميلا واقفة بعيد تراقبه وقلبها مليان سلام أخيرًا.
شيرين قربت منها وضحكت
فاكرة الليلة اللي كنتِ هتنهاري فيها؟
كارميلا ابتسمت وهي باصة لابنها.
أيوه وافتكر إني وقتها كنت فاكرة إن كل حاجة ضاعت.
وطلعتِ أقوى مما كنتِ متخيلة.
كارميلا ما ردتش فورًا.
لأن الحقيقة كانت
هي ماخرجتش من اللي حصل قوية وبس
خرجت واعية.
عرفت إن الحب مش خوف.
ومش سيطرة.
ومش إنك تكسري نفسك عشان حد يرضى عنك.
في آخر الحفلة، ياسين جري عليها وهو ماسك علبة صغيرة.
دي ليكي.
فتحتها باستغراب.
كان فيها سلسلة فضة بسيطة، ومتعلق فيها حرفين
K Y
كارميلا ضحكت وسط دموعها.
إيه ده؟
ياسين قال بفخر
أنا جمعت مصروفي شهرين عشان أجيبها. عشان إنتِ وأنا فريق واحد.
في اللحظة دي، حسّت إن الدنيا رجعتلها كل حاجة اتسرقت منها بس بشكل أنضج وأصدق.
حضنته بقوة، وهو ضحك وقال
هتعيطي تاني يا ماما؟
أيوه بس دي دموع حلوة.
وفي نفس الليلة
كارميلا فتحت درج قديم كانت مخبية فيه كل الورق اللي دمّر حياتها يومًا ما
التوكيل.
العقود.
صور المحكمة.
بصت لهم دقيقة طويلة.
ثم بهدوء طلعت ولاعة صغيرة.
وحرقتهم.
الورق اسودّ واتلوى بسرعة، والدخان طلع خفيف في الهوا.
لكن لأول مرة
مافيش وجع طلع معاه.
بس نهاية.
قفلت الشباك، وبصت لوشها في الإزاز.
ما بقتش الست المكسورة اللي كانت خايفة تخسر بيتها وجوزها.
بقت ست عرفت إن أغلى حاجة ممكن تحافظ
هي نفسها.
ومن أوضة ياسين، خرج صوته النعسان
ماما
ابتسمت ومسحت دموعها الخفيفة.
جاية يا قلب ماما.
وطفت النور
وسابت الماضي أخيرًا وراها.