كنت مروحه البيت
كنت قاعدة في البيت، وأشرف في الشغل، لما جرس الباب رن.
فتحت واتجمدت مكاني.
هي.
الست التانية بنفسها واقفة قدامي.
لابسة نضارة شمس كبيرة وفستان شيك، لكن وشها كان متوتر. أول ما شافتني شالت النضارة وقالت بسرعة لازم أتكلم معاكي لأن إحنا الاتنين طلعنا ضحايا لنفس الراجل فضلت باصة لها كام ثانية من غير ما أتكلم.
كنت متخيلة اليوم اللي أشوفها فيه ألف مرة متخيلة إني هشدها من شعرها، أو أزعق، أو أطردها. لكن الحقيقة؟ الحقيقة إنها كانت واقفة قدامي مكسورة وعينيها مليانة خوف حقيقي.
اتنحت جنب الباب ودخلتها من غير كلمة.
قعدت على الكنبة وهي ماسكة شنطتها بإيد
مرتعشة، وبصتلي وقالت أنا اسمي نادين وأنا عارفة إنك أكيد بتكرهيني.
رديت ببرود اختصري.
بلعت ريقها وقالت أشرف قالي إنه مطلق.
ضحكت ضحكة طالعة من قلب موجوع.
طبعًا.
هزت راسها بسرعة وهي بتحاول تمنع دموعها والله العظيم ما كنت أعرف إنه متجوز أنا عرفته من سنتين، وكان بيقولي إن مراته سابتله البيت وإن الجواز بينهم انتهى رسمي بس الورق متعطل.
بصيتلها جامد والغريب إني صدقتها.
لأن أشرف فعلًا كان محترف كدب. الراجل اللي عرف يعيش حياتين كاملين بوشين مختلفين، سهل يقنع أي حد بأي رواية.
طلعت نادين موبايلها
وقالت بصوت مكسور أنا حامل في الشهر الخامس ومن يومين اكتشفت إنه متجوز. لما واجهته اختفى.
اتجمدت ملامحي. اختفى؟
هزت راسها قفّل موبايله، ومراحش الشقة من ساعتها وأنا جيت هنا بعد ما عرفت عنوانك من الأبلكيشن.
في اللحظة دي حسيت بحاجة عمري ما توقعتها.
الغيرة اختفت.
واتحولت لشفقة.
لأن الست دي، مهما كانت، اتضحك عليها زيي بالظبط. يمكن الفرق الوحيد إنها كانت لسه شايفة فيه حبيب أما أنا، فكنت شايفة حقيقته كاملة.
سألتها بهدوء هو وعدك بإيه؟
ضحكت بمرارة وعدني بحياة وأسرة وأمان.
الكلمات خبطت في قلبي. نفس الكلام اللي قالهولي زمان.
وفجأة رن موبايلها.
بصت للشاشة واتوترت ده هو.
أنا وهي بصينا لبعض. وبدون ما نتكلم، فهمنا نفس الفكرة.
ردت وفتحت الاسبيكر.
صوته طلع مرتبك نادين، انتي فين؟
قالت بثبات عند ماما.
تنهد براحة كويس اسمعي، الفترة الجاية لازم تبعدي عن البيت والشقة شوية عشان الموضوع يهدى.
أنا كنت سامعة نفسي بالعافية.
نادين سألت ومراتك؟
سكت ثانيتين وبعدين قال الجملة اللي أنهت آخر ذرة رحمة جوايا
دي واحدة غلبانة عمرها ما هتعرف حاجة.
بصيت لقدام وحسيت قلبي بقى تلج.
نادين بصتلي بصدمة وخنقة، وأنا مدت إيدي بهدوء وقفلت المكالمة.
وبعدين ابتسمت لأول مرة من قلبي.
وقولت لها لا ده هيعرف إننا عرفنا كل حاجة. بس بطريقتنا إحنا قعدنا أنا ونادين قدام بعض بالساعات.
في الأول كان بينا توتر ووجع وكسرة لكن مع كل كلمة، كنا بنكتشف إن أشرف لعب بنفس الطريقة معانا إحنا الاتنين.
نفس الكلام. نفس الوعود. نفس التمثيل.
الفرق الوحيد إنه كان فاكر إن الستات دايمًا بيكرهوا بعض ومفكرش أبدًا إن اليوم ممكن ييجي ويتحولوا فيه لفريق واحد ضده.
خلال أسبوع بس، كنا جمعنا كل حاجة.
رسائل. تحويلات. صور. عقود. حتى التسجيلات اللي كان بيبعتها لنادين وهو بيقول إن مراته عايشة على ذمته بالاسم بس.
والمفاجأة الأكبر؟ إن نادين اكتشفت إنه مستلف باسمها مبلغ ضخم عشان يدخل في مشروع خسران، وكان ناوي يختفي ويسيبها في الديون بعد الولادة.
يعني هو ماحبهاش هي كمان هو كان بيستخدمها.
اليوم اللي رجع فيه البيت، كان داخل بثقة كعادته. رمى مفاتيحه على الترابيزة وقال الأكل جاهز؟
بصيتله بهدوء عمري ما حسيت بيه قبل كده. وقولت لا بس في مفاجأة جاهزة.
اتكشّر يعني إيه؟
في اللحظة دي خرجت نادين من الأوضة.
وشه فقد لونه بالكامل.
بص بينا بصدمة، وابتدى يتلخبط
نادين رمت قدامه صور ورسائل مطبوعة. وأنا حطيت ملف كبير على الترابيزة.
قولتله بهدوء ده تقرير بكل أملاكك وحساباتك والديون والتهرب الضريبي اللي مستخبي ورا اسمي.
اتراجع خطوة. ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
ابتدى يزعق إنتو اتجننتوا؟!
صرخت نادين فيه إنت اللي دمرت حياتنا!
وقفت أنا، وبكل هدوء الدنيا اللي قبل العاصفة، قولت أنت كنت فاكر إنك أذكى من الكل بس نسيت إن أكتر اتنين ظلمتهم هما اللي ماسكين نهايتك.
بعدها بأيام رفعت قضية خلع، وقضية تبديد واستغلال أوراق رسمية باسمي. ونادين رفعت قضية نصب.
أشرف خسر شغله. وأصحابه بعدوا عنه. والشقة الفخمة اتحجز عليها بسبب الديون.
أما أنا
فبعد شهور طويلة، وقفت قدام المراية في شقتي الصغيرة الجديدة. كان المكان أهدى، أضيق شوية بس أول مرة أحس إنه بيتي فعلًا.
بصيت لإيديا الإيديا اللي كنت بكرهها عشان الشقى.
ولأول مرة ابتسمت لها.
لأنها نفس الإيديا اللي بنتني من أول وجديد من غير راجل كداب يعيشني دور الضحية.
رن جرس الباب.
فتحت لقيت نادين واقفة، شايلة طفلها الصغير وبتضحك.
قالت قولت أعدي أشرب قهوة مع أقوى ست عرفتها.
ضحكت وأنا باخد البيبي منها.
وفي اللحظة دي فهمت إن النهاية
النهاية الحقيقية إننا إحنا الاتنين قمنا.