على مدى عشرين عاما

لمحة نيوز

ببطء.
ثم فتحت الخزانة.
وأخرجت الملف كله.
ووضعته أمامه.
قلت خذه.
شهقت سعاد مروان!
لكنني أكملت خذوا الأرض خذوا المال خذوا كل شيء.
نظروا إليّ غير مصدقين.
أما أنا فقلت بصوت مبحوح لأن الشيء الوحيد الذي أريده فعلًا لن أستطيع استعادته مهما دفعت.
ساد الصمت.
ثم أخرجت الساعة القديمة من جيبي.
وضغطت عليها بقوة.
أريد يومًا واحدًا فقط يومًا واحدًا أرجع فيه للوراء، أجلس معه على الفطور، وأقول له سامحني يا حاج أنا لم أفهمك إلا بعدما رحلت.
انخفضت عينا سامي لأول مرة.
أما سعاد
فانهارت تبكي.
وفي تلك الليلة، بعد أن غادر الجميع، جلست وحدي في الساحة الخلفية.
وضعت كوب شاي على الطاولة
في المكان الذي كان يجلس فيه دائمًا.
ثم شغّلت المذياع القديم.
خرج صوت أم كلثوم خافتًا من السماعة المشوشة.
وأقسم أنني في تلك اللحظة
كدت أراه.
يجلس بهدوء.
يغمس الخبز في الشاي.
ويبتسم لي أخيرًا دون حزن لن أجعله يندم لأنه آواني.
لم أعد أرى الكلمات بوضوح.
عيناي امتلأتا بالدموع بينما واصل المحامي القراءة
كان مروان يظن أنه يصرف عليّ لكنه لم يعلم أنني منذ اليوم الأول اعتبرت نفسي مسؤولًا عن هذا البيت كما لو كان بيتي.
ساد الصمت.
حتى سامي لم يعد قادرًا على الكلام.
ثم أخرج المحامي ورقة أخيرة مختومة رسميًا.
وقال وهناك أيضًا عقد بيع.
سألته سعاد بصوت مرتجف عقد ماذا؟
أجاب الأرض.
تجمدت ملامحي.
أي
أرض؟
فتح المحامي الملف وقال المرحوم الحاج محمود كان يملك قطعة أرض كبيرة على أطراف دمشق اشتراها قبل أربعين عامًا، ورفض بيعها رغم كل الظروف.
ضحك سامي بعصبية هذه الأرض لا تساوي شيئًا! كانت وسط الخراب!
لكن المحامي قاطعه قبل ثمانية أشهر دخلت ضمن مشروع تنظيمي جديد وقيمتها الحالية تتجاوز مليارًا ومئتي مليون ليرة.
شعرتُ أن قلبي توقف.
أما سامي فهبّ واقفًا نحن أولاده! من حقنا الميراث!
هنا رفع المحامي الورقة الأخيرة وقال بهدوء قاتل المرحوم نقل ملكية الأرض كاملة قبل وفاته بعامين.
ثم التفت نحوي مباشرة.
باسم الأستاذ مروان السالم.
صرخت سعاد أبي فعل ماذا؟!
أما أنا
فلم أستطع حتى التنفس.
نظر سامي إليّ وكأنني سرقتهم.
لكن المحامي أخرج الرسالة الأخيرة.
وقال أوصى المرحوم أن تُقرأ هذه الفقرة تحديدًا أمام الجميع.
ثم بدأ يقرأ
إلى أبنائي عندما مرضتُ، تناوبتم على زيارتي كأنني عبء ثقيل، ثم تركتموني عند باب بيت سعاد ورحلتم.
أما مروان فقد تحمل جوعي ودوائي وضعفي وعجزي عشرين عامًا كاملة.
سمعته يشتكي مني كثيرًا وكنت أتألم كل ليلة.
لكنه رغم تعبه لم يطردني يومًا.
كان يعود مرهقًا، ويعمل حتى تتشقق يداه، ثم يدفع ثمن علاجي قبل أن يشتري لنفسه حذاءً جديدًا.
لذلك كل ما أملك له.
ليس لأنه زوج ابنتي.
بل لأنه كان ابني الحقيقي الوحيد.
انهارت سعاد بالبكاء.
أما أنا
فشعرت بطعنة حادة داخل
صدري.
لأنني طوال عشرين عامًا
كنت أعتقد أنني أتحمل رجلًا عجوزًا بلا فائدة.
بينما كان ذلك الرجل يحاول كل يوم أن يردّ الجميل بصمت ويحفظ كرامته دون أن يجرح كبريائي.
اقترب المحامي مني أخيرًا وسلمني شيئًا صغيرًا ملفوفًا بقطعة قماش.
فتحته ببطء
فوجدت ساعتي القديمة.
الساعة التي اضطررت لبيعها يوم مرض ابني قبل سنوات.
نظر إليّ المحامي وقال الحاج محمود اشتراها من الرجل الذي أخذها منك وظل يحتفظ بها حتى يعيدها لك يومًا ما.
عندها فقط
انهرت.
جلست على الكرسي الذي كان يجلس عليه كل صباح.
وضممت الساعة إلى صدري كطفل صغير.
ثم بكيت
كما لم أبكِ في حياتي كلها مرّ شهر كامل
ولم ألمس ملف الأرض.
بقي داخل الخزانة كما هو، وكأن فتحه خيانة جديدة للحاج محمود.
أما سامي وإخوته، فاختفوا فجأة بعدما أدركوا أنني مستعد للتنازل عن كل شيء.
لكن شيئًا غريبًا بدأ يحدث بعدها.
كل يوم تقريبًا
كان يطرق بابنا شخص جديد.
رجل عجوز يحمل ساعة مكسورة.
امرأة تسأل عن الأسطى محمود.
شاب جاء من حي بعيد وهو يمسك مذياعًا قديمًا ملفوفًا بقطعة قماش.
وفي كل مرة كنت أقول الحاج محمود توفي.
كانت الصدمة تظهر على وجوههم كأنهم فقدوا شخصًا من عائلتهم.
وفي أحد الأيام، جاء رجل ستيني أنيق، يحمل عكازًا خشبيًا.
وقف طويلًا عند الباب ثم قال هل أنت مروان؟
أومأت بصمت.
ابتسم بحزن أنا الدكتور فادي ربما لا تعرفني، لكن الحاج
محمود أنقذ حياتي يوم كنت طفلًا.
دعوتُه للدخول.
جلس في الساحة الخلفية، في نفس الكرسي الذي كان يجلس عليه الحاج.
ثم قال قبل أربعين سنة كنت أعمل صبيًا في السوق وكنت يتيمًا. ذات يوم سرقتُ قطعة خبز لأنني كنت جائعًا، فضربني صاحب المحل وطردني.
وسكت لحظة.
ثم أكمل الحاج محمود أخذني معه أطعمني وعلّمني تصليح الساعات مجانًا.
نظر حوله بحزن لولاه لكنت مت في الشارع.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
لأنني لأول مرة
بدأت أرى الرجل الذي عاش معي عشرين عامًا.
وليس العجوز الذي أثقل مصاريفي فقط.
ثم أخرج الدكتور فادي ظرفًا أبيض ووضعه أمامي.
قلت باستغراب ما هذا؟
ابتسم دين قديم.
فتحته
فوجدت شيكًا بمبلغ ضخم.
ارتبكت فورًا لا لا أستطيع أخذ هذا.
قال بهدوء الحاج محمود رفض أن آخذ أجرًا منه يوم علّمني. وقال لي إذا أصبحت رجلًا ناجحًا يومًا ما ساعد شخصًا آخر بدلاً مني.
ثم نظر مباشرة في عيني وأنا أعتقد أن دورك جاء الآن يا مروان.
في تلك الليلة
لم أنم.
ظللت أتقلب حتى الفجر.
ثم نهضت فجأة.
وفتحت غرفة الحاج محمود لأول مرة منذ وفاته.
كانت الغرفة كما تركها.
طاقيته فوق الرف.
مسبحته قرب الوسادة.
ورائحة الصابون القديم ما تزال عالقة في المكان.
جلست على سريره بصمت
ثم انتبهت لشيء تحت الوسادة.
دفتر صغير جدًا.
فتحته بيد مرتجفة.
وكانت الصفحة الأولى تحمل عنوانًا واحدًا
أمنياتي قبل أن أموت.
توقفت
أنفاسي.
وبدأت أقرأ.
أولًا أتمنى أن يسامحني مروان لأنني أخذت من عمره أكثر مما يجب.
ثانيًا أتمنى أن يكبر أحفادي وهم متعلمون ولا
تم نسخ الرابط