على مدى عشرين عاما

لمحة نيوز

على مدى عشرين عامًا، كان حماي البالغ من العمر تسعة وثمانين عامًا يأكل على مائدتي دون أن يدفع قرشًا واحدًا.
وكنتُ أعتبره عبئًا حتى مات، ثم طرق محامٍ باب بيتي حاملًا ملفًا سلب الهواء من صدري.
كان الحاج محمود يعيش في الغرفة الصغيرة آخر الممر، بجوار ساحة الغسيل.
أما زوجتي، سعاد، فكانت تقول دائمًا إن رعايته واجب علينا.
وأنا
في كل آخر شهر، كنت أرى مؤونة البيت تنقص بينما يجلس الحاج محمود يحتسي الشاي وكأن شيئًا لا يحدث.
لم يكن رجلًا سيئًا.
كنت أكرر هذه الجملة داخل رأسي حتى لا أكرهه.
كان فقط
رجلًا عجوزًا.
هادئًا.
عنيدًا.
رجلًا نحيلًا يرتدي شماغًا رماديًا، يمشي ببطء نحو المطبخ، يسكب الفول في صحنه، يسخّن الخبز، ولا يسأل أبدًا كم أصبح سعر الزيت أو الغاز.
أحيانًا كان يقول
الله يرضى عليك يا ولدي.
لكن تلك الكلمات
لم تكن تدفع فاتورة الكهرباء.
ولا ثمن الدواء.
ولا أجرة البيت.
على مدى عشرين عامًا، كنت أعمل في ورشة ميكانيك داخل دمشق، أعود منهكًا ويديّ مغطاتين بالشحم الأسود، ثم أجد الحاج محمود جالسًا على كرسيي، يستمع إلى المذياع ويغمس الخبز الحلو في الشاي.
كانت سعاد تدافع عنه دائمًا
إنه أبي يا مروان وليس لديه أحد.
فأجيبها بضيق
ونحن أيضًا بالكاد نستطيع تدبير أمورنا.
فتبكي.
وأصمت أنا.
أما الحاج محمود
فكان يتظاهر بأنه لم يسمع شيئًا.
وهكذا مرت السنوات.
أعياد.
وأمراض.
وديون.
وكثير

من الصمت.
كبر أولادي وهم يتشاركون غرفة واحدة لأن الجد كان يشغل الغرفة الوحيدة الإضافية.
وبعتُ سيارتي القديمة حتى أدفع تكاليف عملية المياه البيضاء له.
وأجلتُ إصلاح السقف لأن ثمن دوائه كان أهم.
وكلما غضبتُ
كان يخفض رأسه ويقول بصوت مكسور
سامحني يا ولدي يبدو أنني أثقلت عليكم كثيرًا.
وكانت تلك الجملة تثير غضبي أكثر.
لأنها كانت مليئة بالحزن.
ولأنها
تحققت فعلًا يومًا ما.
وجدناه ذات صباح جالسًا على كرسيه في الساحة الخلفية، وطاقيته فوق ركبتيه، بينما ما يزال المذياع يعمل قربه.
بدا وكأنه نائم.
صرخت سعاد.
وركضتُ نحوه.
لكن الحاج محمود كان قد رحل بالفعل.
كانت جنازته بسيطة.
قليل من المعزين.
وكثير من الصمت.
أما أبناؤه الآخرون فجاؤوا متأخرين، بكوا بصوت مرتفع، ثم غادروا بسرعة.
اقترب أخوه الأكبر، سامي، وربت على كتفي قائلًا
يبدو أنك ارتحت أخيرًا يا مروان.
لم أجب.
لأن جزءًا بشعًا داخلي
كان يفكر بالأمر نفسه.
وفي تلك الليلة، للمرة الأولى منذ عشرين عامًا، بقي كرسي الحاج محمود فارغًا.
لكنني لم أشعر بالراحة.
بل شعرتُ بالذنب.
بعد ثلاثة أيام
طرق أحدهم الباب.
كان رجلًا يرتدي بدلة داكنة، ويحمل حقيبة جلدية، وصوته جاد وبارد.
سأل
هل الأستاذ مروان السالم موجود؟
أجبته
نعم، أنا هو.
قال بهدوء
جئتُ بتكليف من المرحوم الحاج محمود.
ظهرت سعاد خلفي فورًا، وقد شحب وجهها
أبي؟
أومأ الرجل برأسه
ترك تعليمات
واضحة جدًا ورسالة لا تُسلَّم إلا بعد دفنه.
وبعد ساعة تقريبًا، وصل سامي مع إخوته.
كانت رائحة عطورهم الثقيلة تسبقهم، بينما كانت الطمع واضحًا في عيونهم.
قال سامي بسخرية
رسالة؟ وماذا سيترك رجل عاش عالةً على غيره عشرين سنة؟
لكن المحامي لم يبتسم.
فتح حقيبته الجلدية بهدوء.
ثم أخرج ملفًا سميكًا.
وبعده كيسًا قماشيًا قديمًا.
ثم ظرفًا أصفر كُتب عليه اسمي بخط الحاج محمود المرتجف.
مروان.
لم يكتب
لابنتي.
ولم يكتب
لأبنائي.
بل كتب اسمي أنا.
قطّب سامي حاجبيه
لا بد أن هناك خطأ.
أجاب المحامي ببرود
لا يوجد أي خطأ.
شعرتُ فجأة بأن ساقيّ لم تعودا تحملانني.
لأن الطاولة لم تكن مليئة بالأوراق فقط
بل بسنوات كاملة لم أفهمها يومًا.
كانت هناك إيصالات قديمة.
وصور باهتة.
ودفتر أزرق مليء بالأرقام والتواريخ.
وعشرون عامًا من شيء لم أكن أريد رؤيته.
تنحنح المحامي وقال
قبل الحديث عن الممتلكات أوصى الحاج محمود أن يستمع الأستاذ مروان إلى هذه الرسالة أمام العائلة كلها.
فتح الظرف ببطء.
وشدت سعاد على يدي بقوة.
أما سامي
فتوقفت ابتسامته أخيرًا.
ثم قرأ المحامي السطر الأول
وكان كافيًا ليقسم روحي إلى نصفين
يا مروان أعلم أنك ظننتَ طوال هذه السنوات أنني لم أقدّم شيئًا، لكن كل لقمة أطعمتني إياها كانت السبب الذي جعلني أخفي كل شيء باسمك.
الجزء الثاني
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الرسالة نفسها بل في الشيء الذي
وجده المحامي داخل الكيس القماشي القديم أمام الجميع مرّت أيام طويلة بعد تلك الليلة
لكن البيت لم يعد كما كان.
صار كرسي الحاج محمود في الساحة الخلفية يبدو كأنه ينظر إليّ كلما مررت قربه.
والمذياع القديم
بقي في مكانه.
حتى سعاد لم تجرؤ على لمسه.
أما أنا، فكنت أستيقظ أحيانًا قبل الفجر، أمشي نحو غرفته الصغيرة، ثم أتذكر فجأة أنه لم يعد هناك.
فأقف عند الباب الفارغ
وأشعر بشيء ينهش صدري.
لكن الأسوأ لم يكن الذنب.
بل كلام الناس.
انتشرت قصة الأرض بسرعة في الحي.
وفجأة، صار الجميع يتذكر كم كان الحاج محمود رجلًا عظيمًا.
أما إخوته
فبدأوا يزوروننا يوميًا.
مرة بحجة قراءة الفاتحة.
ومرة بحجة صلة الرحم.
لكن عيونهم كانت تتجه دائمًا نحو الملف.
ونحو عقد الأرض.
وفي مساء ثقيل، طرق سامي الباب بعنف.
دخل دون استئذان، وخلفه أخواه.
قال وهو يحاول التماسك اسمع يا مروان نحن لا نريد المشاكل.
أجبته بهدوء وأنا أيضًا.
اقترب مني أكثر إذًا قسّم الأرض بالعدل.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت والدكم هو من قرر.
ضرب الطاولة بقبضته لأنه كان خرفًا!
وفي اللحظة نفسها
سمعتُ صوت سعاد تصفع أخاها بقوة.
تجمد الجميع.
حتى أنا.
كانت ترتجف وهي تشير نحو الباب أبي لم يكن خرفًا الخرف الحقيقي أنكم تذكرتموه فقط بعدما عرفتم أن عنده مالًا!
صمت سامي مذهولًا.
أما سعاد فبكت وهي تكمل عشرون سنة عشرون سنة كاملة لم يسأل أحد منكم إن كان
أكل أو احتاج دواء ومروان وحده تحمّل كل شيء.
نظر إليّ سامي بحقد وقال واضح أنه تحمله من أجل الأرض.
وهنا فقط
شعرت بشيء ينكسر داخلي.
اقتربت منه
تم نسخ الرابط