رجعت بدري

لمحة نيوز

تجمّد.
الاسم على الشاشة كان كأنه مطبوع على صدره مش على موبايل.
رفع عينه ببطء ناحية الدكتور
إيه ده؟
الدكتور ما ردّش فورًا كأنه بيختار أقل طريقة توجع بيها الحقيقة.
ندى همست
اسمك؟ إزاي اسمك يبقى في مشروع؟
الضابط قرب بسرعة
الملف ده متسلسل ده مش ملف طفل واحد ده سلسلة كاملة.
فجأة الشاشة قلبت صفحة لوحدها.
صور.
أطفال سجلات تواريخ.
وبين كل صورة والتانية علامة واحدة مشتركة.
نفس الكود اللي ظهر في تقرير ابن وائل.
أم وائل قالت بصوت مبحوح لأول مرة
كنت فاكرة إنهم وقفوا عند جيل معين بس واضح إنهم بدأوا من الأول.
وائل لف ناحيتها بعصبية
إنتي كنتي عارفة إيه بالظبط؟!
سكتت وبعدين قالت
كنت أعرف إنك اتسجلت في حاجة قبل ما تولد حتى بس كنت فاكرة إنهم شالوا الملف.
الدكتور رفع إيده
اللي قدامكم مش مستشفى بس ده نظام أرشفة بشرية قديم بيتعامل مع الناس كنسخ متكررة.
الضابط بصله
يعني إيه نسخ؟
الدكتور رد
يعني نفس الجينات نفس السلسلة بس بأحداث مختلفة.
ندى شدت الطفل أكتر
يعني ابني زي إعادة؟
الدكتور هز رأسه بسرعة
لا هو مش إعادة هو بداية كسر السلسلة.
فجأة الصوت رجع في السماعات تاني.
بس المرة دي كان أقرب.
كأن مصدره جوه الغرفة نفسها.
النسخة الأولى بدأت تفهم.
الضابط ضرب الحيطة
اقفلوا النظام ده!
لكن مفيش حاجة اتقفلت.
وائل قرب من الشاشة.
والملف اتفتح لصفحة أخيرة.
عنوانها
مرحلة الإغلاق
وتحتها جملة واحدة
لو النسخة الأولى استيقظت يتم إعادة ضبط كل ما بعدها.
ندى بصتلو بخوف
إعادة ضبط يعني
إيه؟
وائل بص لها ببطء
ولأول مرة صوته كان ثابت بشكل مرعب
يعني إحنا مش أول ناس نعيش القصة دي بس ممكن نكون آخر ناس تفهمها.
الدكتور فجأة قال بسرعة
فيه حاجة لازم تحصل دلوقتي لازم تخرجوا من هنا فورًا.
الضابط
ليه؟
الدكتور بص ناحية الباب المقفول
لأن النظام لما بيحس إن الملف اتفتح بيبدأ يقفل كل الأطراف.
وفي نفس اللحظة
نور المستشفى كله فصل.
مرة واحدة.
وصوت واحد بس اتسمع في الظلام
إعادة الضبط بدأت.
ندى صرخت
وائل!
مسك إيدها بقوة.
لكن قبل ما يتحركوا
الشاشة اشتغلت تاني في نص الظلام.
والقائمة اللي فيها أسماء كتير
بدأت تختفي واحدة واحدة.
واسم وائل كان آخر اسم لسه ظاهر الشاشة قدّامهم كانت بتطفي الأسماء واحد واحد كأن حد بيمسح تاريخ كامل في ثواني.
وائل واقف، ماسك إيد ندى، والطفل بيصدر صوت بكاء خفيف متقطع بس كأنه جاي من بعيد، مش من حضنها.
الدكتور صرخ
لازم تخرجوا فورًا! دلوقتي!
الضابط فتح الباب بالعافية والممر اللي كان مقفول من شوية، اتفتح فجأة كأنه ما اتقفلش أصلاً.
بس اللي كان مرعب إن مفيش صوت برّه.
ولا خطوات. ولا ناس. ولا أجهزة.
مستشفى فاضية بشكل غير منطقي.
أم وائل بصّت للفراغ وقالت بهدوء
خلصوا القرار النظام بيقفل نفسه.
وائل بص لها بسرعة
يعني إيه بيقفل نفسه؟!
ما ردتش.
لكن عينيها كان فيها حاجة لأول مرة شفقة.
فجأة الموبايل في إيده اشتغل لوحده.
آخر سطر ظهر على الشاشة
النسخة الأولى تم تأكيدها بدء إعادة التثبيت.
ندى شهقت
تثبيت إيه؟!
الدكتور قال بصوت منخفض
يعني
إعادة كتابة الواقع اللي حوالين السلسلة كلها.
الضابط مسك سلاحه
إحنا بنهزر؟ ده كلام إيه ده؟!
لكن قبل ما يكمل
النور رجع فجأة.
بس المستشفى كان مختلف.
نفس المكان لكن الوجوه اتغيرت.
الناس اللي في الممرات دكاترة مرضى كلهم واقفين في نفس الوضع كأن الزمن اتجمّد.
وائل بص حواليه بصدمة
إيه اللي حصل؟
الدكتور قال بهدوء
ما حصلش حاجة لسه.
فجأة الطفل سكت.
ندى بصّت له بخوف
ليه سكت؟
وائل قرب منه بسرعة
ولأول مرة، الطفل فتح عينه بوضوح كامل.
لكن مش نظرة طفل عادي.
نظرة ثابتة واعية بشكل مرعب.
الموبايل رن للمرة الأخيرة.
رسالة واحدة
تم تثبيت النسخة الأولى. يمكن الآن بدء حياة طبيعية بشرط واحد عدم البحث مرة أخرى.
الصمت ساد.
الدكتور اختفى خطوة ورا خطوة في الممر كأنه بيتلاشى.
أم وائل وقفت مكانيها، وبصت له
دلوقتي القرار ليك.
وائل بص لندى وبعدين للطفل وبعدين للفراغ اللي حواليهم.
لو فتح الباب ده أكتر الحقيقة هتتكتب من جديد.
ولو سكت
الحياة هترجع طبيعية بس هو هيبقى عارف إنها مش حقيقية بالكامل.
شد إيد ندى.
وبص للباب.
وبهدوء قال
إحنا هنعيش بس مش هننسى.
وفي اللحظة دي
المستشفى كله رجع طبيعي مرة واحدة.
أصوات حركة ناس حياة.
كأن حاجة كانت ماسكة العالم وسيبته فجأة.
لكن آخر لقطة
كانت في شاشة صغيرة في غرفة مراقبة بعيدة.
ملف واحد بس لسه مفتوح.
واسمه
النسخة الأولى نشطة
وتحت الاسم مباشرة
سطر جديد بيتكتب لوحده
ترقبوا المرحلة التالية تمامدي نهاية أقوى ومقفولة للقصة بدون فتح أبواب جديدة
وائل
وقف قدام الباب
المستشفى رجع طبيعي فجأة، كأن اللي حصل كله كان حلم طويل اتسحب من الذاكرة.
أصوات دكاترة، عربيات طوارئ، ناس بتمشي في الممر كل حاجة رجعت زي ما كانت.
ندى بصّت له وهي حاضنة الطفل
إحنا رجعنا صح؟
ما ردّش بسرعة.
لأنه كان حاسس إن الإجابة مش سهلة.
الدكتور اللي كان واقف معاهم اختفى تمامًا من الممر.
ولا أي أثر ليه.
الضابط لف حوالين نفسه
أنا مش فاهم إيه اللي حصل بس مفيش أي دليل على اللي شوفناه.
أم وائل بصّت لوائل بهدوء غريب وقالت
مش مهم اللي حصل المهم إنك تختار تعيش إزاي بعده.
وائل بص لندى.
بص للطفل.
وبعدين بص للممر اللي كان كله من شوية بيصرخ بالحقيقة.
وبهدوء قال
مش عايز أعرف أكتر.
ندى دموعها نزلت
يعني خلاص؟
هز راسه
أيوه كفاية.
بعد ساعات خرجوا من المستشفى.
الهوا كان طبيعي. الشارع طبيعي. الدنيا ماشية كأن مفيش حاجة حصلت.
لكن وائل كان ساكت طول الطريق.
وصلوا البيت.
فتح الباب.
نفس البيت نفس الكنبة نفس
الصالة.
بس الفرق الوحيد
إن الموبايل اللي كان بيرن برسائل غريبة كان فاضي تمامًا.
ولا رسالة واحدة.
ولا رقم مجهول.
ندى نامت من التعب وهي حاضنة الطفل.
وائل قعد قدامها، يبصلهم بصمت طويل.
وفجأة
ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا.
مش فرح.
لكن قرار.
قام مسك الموبايل مسح كل الصور اللي اتسجلت في اليوم ده.
بعدين فتح باب الشقة.
ونزل رماه في صندوق القمامة تحت العمارة.
وهو راجع وقف لحظة وبص للسما.
وقال لنفسه
في حاجات لو عرفت حقيقتها مش لازم تعيش معاها.
رجع البيت.
قفل
الباب.
وقعد جنب مراته وابنه.
آخر لقطة
صوت الطفل بيضحك لأول مرة بهدوء.
وائل بيبص له
وبعدين بيطفي النور.
والكاميرا بتبعد عن الشباك
والبيت بيختفي في الظلام العادي بدون أي أسرار.
النهاية.

تم نسخ الرابط