ابنها رفع غطا حلة الفول

لمحة نيوز

غلطت. بس الغلط ما يخليش حد وحش كله.
شيرين انفجرت في العياط. يمكن لأول مرة حد يدافع عنها بعد كل اللي عملته.
آدم قال بصوت ضعيف طب ليه تيتة كانت جعانة؟
السؤال المرة دي قتلهم هما الاتنين.
شيرين غطت وشها بإيديها. أما طارق فحس إنه عاجز. لأن الأطفال بيختصروا الكوارث في سؤال واحد بسيط.
مفيش حد رد.
وفي الصمت آدم نزل جري من على السلم، وطلع أوضته. وبعد دقايق رجع، ماسك حصالة حديد زرقا صغيرة عليها صورة كرتون باهتة.
راح عند أمه ومدها لطارق.
دي فلوسي خدها لتيتة.
شيرين انهارت تمامًا. وقعت على الأرض وهي بتعيط بصوت عالي.
أما طارق فحضن ابنه بقوة، لأول مرة يحس إن الطفل الصغير ده أجدع من الكبار كلهم.
في اليوم اللي بعده، الخبر انتشر وسط العيلة. واحدة تقول أكيد سوء تفاهم. واحدة تهمس شيرين عمرها ما كانت مرتاحة للحاجة نادية. وواحد يقول الفلوس بتغير النفوس.
لكن الحاجة نادية ما اتكلمتش.
كانت قاعدة في بيتها الصغير، قدام الشباك، وعمالة تبص للشارع. قدامها الدفاية الجديدة شغالة. وعلى الترابيزة طبق كحك لسه مقفول.
طارق بقى يزورها كل يوم. مش بعزومات ولا هدايا
وبس. لا بقى يقعد.
يقعد بالساعات يسمعها وهي تحكي عن أبوه. عن طفولته. عن أول مرة وقع من العجلة. عن يوم ما نجح في الثانوية وكانت فرحانة بيه أكتر من نفسها.
وكان كل ما يسمع يحس بوجع أكبر.
إزاي كل الحب ده اتساب لوحده سنة كاملة؟
بعد شهرين، الطلاق تم. شيرين خدت شقة صغيرة بعيد. وكريم اختفى أول ما الفلوس وقفت.
أما هي فكانت كل ليلة تبص في أوضة أولادها الفاضية وتفهم متأخر إن الخيانة مش بس بتكسر جواز دي بتكسر البيت كله.
وفي ليلة شتوية هادية الحاجة نادية صحيت على صوت خبط خفيف على الباب.
فتحت لقت شيرين واقفة.
وشها دبلان. من غير مكياج. ومن غير الشنطة الغالية. ومن غير أي كبرياء.
وفي إيدها كيس صغير.
نادية بصتلها باستغراب خير يا بنتي؟
شيرين نزلت عينيها للأرض. ينفع أدخل؟
أنا جاية أرجع حاجة مش فلوس. جاية أرجع حقك اللي أخدته مني الدنيا زمان نادية وسّعت الباب ببطء.
شيرين دخلت وهي ماسكة الكيس بإيديها الاتنين كأنه تقيل جدًا، رغم إنه صغير. قعدت على طرف الكنبة المكسورة نفس الكنبة اللي زمان كانت بتقعد عليها وهي حاطة رجل على رجل، متضايقة من ضيق المكان.
النهارده
كانت مكسورة.
نادية حطت قدامها كباية شاي من غير ما تتكلم. السكوت بينهم كان مليان كلام أكتر من أي مواجهة.
بعد شوية، شيرين فتحت الكيس وطلعت منه ظرف قديم مصفر.
ده إيه؟
شيرين رفعت عينيها بالعافية جواب حماتك الله يرحمه كتبتهولي قبل ما يموت بشهر.
نادية اتفاجئت. إيديها ارتعشت وهي بتاخد الظرف.
فتحته ببطء وكان الخط فعلًا خط جوزها.
شيرين بنتي
لو في يوم حسّيتي إن الدنيا خدت منك الأمان، أو إنك محتاجة تثبتي نفسك بالفلوس والشكل، افتكري إن البيت بيتبني بالرحمة مش بالمظاهر.
ونادية قلبها أنضف قلب شوفته في حياتي. أوعي تكسريها، لأن اللي يكسر قلب أم الدنيا بتلف وتكسره.
دموع نادية نزلت بصمت.
أما شيرين فكانت بتعيط وهي تقول أنا كنت فقيرة أوي زمان واتذليت كتير. أول ما الفلوس دخلت حياتي، خوفت ترجع الأيام دي. بقيت أجري ورا أي إحساس بالأمان لحد ما ضيعت كل حاجة.
نادية رفعت عينيها لها. ولأول مرة، شافت فيها بني آدمة خايفة مش شيطانة.
والفلوس؟
شيرين طلعت ملف صغير. كل حاجة اتباعت. الدهب العربية اللي باسمي حتى الشقة اللي كنت مخبياها. دي كل الفلوس اللي قدرت أجمعها.
باسمك.
نادية بصتلها وسألت بهدوء ليه؟
شيرين انفجرت في العياط عشان آدم سألني سؤال كل يوم بيموتني هو تيتة سامحتك؟
الصمت طال.
بعدين نادية قامت ببطء، وراحت عند الشباك. بصت للشارع اللي عاشت فيه عمر كامل. للناس اللي تعبت. واتكسرت. وقامت تاني.
لفت وشها لشيرين وقالت المسامحة مش كلمة المسامحة عمر كامل من التصليح.
شيرين هزت راسها وهي بتبكي.
في اللحظة دي، الباب خبط. طارق دخل ومعاه العيال.
أول ما آدم شاف أمه، جري حضنها. وهي حضنته كأنها بتتعلق في آخر حتة باقية من روحها.
طارق وقف يبص عليهم، وبعدين بص لأمه. نادية ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة لكنها حقيقية.
وقالت البيت اللي يدخله الكره يقع.
بس البيت اللي فيه طفل لسه بيعرف يحب بعد كل اللي شافه ربنا بيكون لسه رايده يقوم.
بعد سنة
الحاجة نادية كانت قاعدة في شقتها الجديدة الصغيرة، الدافية، اللي طارق أصر يجيبها لها جنب بيته. آدم كان بيذاكر على السفرة. والحفيدة بتعلق زينة رمضان.
أما شيرين فكانت في المطبخ، بتطلع صينية كحك من الفرن، وإيديها متحرقة من السمنة، لكنها مبتسمة.
لأن بعض الناس ما بيبقوش محتاجين
فرصة جديدة.
بيبقوا محتاجين يتعلموا يعني إيه رحمة.

تم نسخ الرابط