تخيلى انك عايشه 25سنه وشك فى وش ضرتك

لمحة نيوز

وخيطتها أكتر من مرة زي قلبي بالظبط. وكل مرة كنت بفتكر إني خلاص اتكسرت، أرجع ألم نفسي تاني.
وقتها بس فهمت.
أمي مكنتش ست ضعيفة
كانت ست بتختار توقيت معركتها.
بعد النقل بثلاث شهور، كنا قاعدين في بلكونة شقتها الجديدة في القاهرة.
الجو هادي، وصوت الأذان جاي من بعيد.
أمي كانت بتسقي زرع صغير حطّته بنفسها.
فجأة موبايلها رن.
اسم أبويا ظهر على الشاشة.
بصت للموبايل شوية
وبعدين قفلت الرنة من غير ما ترد.
سألتها مش هتردي؟
قالت وهي بترجع تسقي الزرع بعض الأبواب لما تتقفل رحمة إنها تفضل مقفولة.
وبعدها بدقايق، لقيتها بتضحك لأول مرة من قلبها فعلًا.
ضحكة خفيفة
بس كانت شبه واحدة أخيرًا نجت بنفسها بعد المكالمة دي، أبويا فضل يحاول يوصل لأمي بكل الطرق.
مرة يبعت مع خالتي، مرة يكلمني أنا، ومرة يبعت رسايل طويلة كلها ندم وتبريرات.
أمي كانت تقراهم أحيانًا وتسيب الموبايل على الترابيزة من غير رد.
في يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيتها قاعدة قدام اللاب توب وبتكتب بسرعة.
سألتها بتعملي إيه؟
قالت بهدوء بحضر لدبلومة.
اتصدمت دبلومة؟ دلوقتي؟
ابتسمت ماله دلوقتي؟ هو العمر بيقف بعد الخمسين؟
اكتشفت بعدها إنها قدمت تشتغل أونلاين في منصة تعليم للعرب برا مصر تشرح نحو وبلاغة.
الست اللي قضت عمرها كله حابسة نفسها بين المطبخ والمدرسة والهم بدأت تعمل فلوس لنفسها لأول مرة من حاجة بتحبها فعلًا.

وفي نفس الوقت، الدنيا كانت بتضيق على أبويا.
التحقيقات كبرت، واتحول للتقاعد الإجباري.
العربية الحكومية اتسحبت منه.
ناس كتير اختفت من حواليه.
حتى هالة وهبة علاقتهم بيه اتغيرت.
مش كره لكن انكسار.
بقوا يشوفوه كإنسان ضعيف، مش الأب الخارق اللي كان بيحل كل حاجة.
وفي يوم، حصلت حاجة محدش توقعها.
هالة جتلنا الشقة.
كانت واقفة على الباب ووشها مرهق جدًا.
أنا توترت، لكن أمي قالت بهدوء دخليها يا أمنية.
دخلت هالة وهي ماسكة علبة صغيرة.
وقالت لأمي أنا جاية أرجع ده.
فتحت العلبة
كان السنسال الدهب.
نفس السنسال اللي جابهولها يوم عيد ميلادها ال.
أمي بصتله شوية، وبعدين قالت ليه؟
هالة دموعها نزلت لأني طول عمري كنت فاكرة إنه هدية حب طلع تمن ذنب.
أمي سكتت.
وهالة كملت أنا عمري ما كنت عايزة أخد مكانك.
أمي ردت بمنتهى الهدوء وإنتِ ماخدتيش مكاني يا بنتي الراجل اللي بيخون هو اللي بيضيع مكان الناس كلها.
هالة انهارت وقتها وعيطت.
وللمرة التانية في حياتي شوفت أمي بتحضن واحدة من بنات مدام اسعاد.
المشهد كان غريب وموجع بطريقة مش مفهومة.
بعدها بأيام، هبة بدأت تبعت لأمي رسايل تسألها على وصفات الأكل، وتطلب نصايح للشغل.
بالتدريج العداوة اللي كان ممكن تحصل متحصلتش.
يمكن لأن أمي كانت أذكى من إنها تحارب بنات ملهمش ذنب.
أما النهاية الحقيقية فجت بعد سنة كاملة.
كنت راجعة البيت بدري، ولقيت
أمي قاعدة في الصالون مع راجل غريب.
راجل هادي، شيك، شعره أبيض خفيف، وبيضحك بهدوء.
أول ما شافني وقف باحترام.
أمي قالت بابتسامة فيها كسوف عمري ما شوفته عليها ده دكتور شريف أستاذ تاريخ معتزل.
اتصدمت أكتر لما عرفت إنه أرمل، وإنهم اتعرفوا في كورس أدب كانت أمي بتحضره.
بعد ما مشي، قعدت جنبها وقلت بذهول إنتِ معجبة بيه؟
أمي ضحكت ضحكة بنت صغيرة المرة دي.
وقالت تخيلي؟ بعد كل العمر ده لسه في قلبي مكان لحاجة حلوة.
بصتلها وأنا مبتسمة.
كانت أول مرة أشوف أمي مش بس قوية
لكن سعيدة بعد شهور من معرفة دكتور شريف، حياة أمي اتغيرت بالكامل.
بقت تصحى بدري عشان تمشي، تهتم بنفسها، تشتري هدوم بألوان عمرها ما كانت تلبسها، وتضحك من قلبها على حاجات بسيطة جدًا.
البيت نفسه اتغير.
ما بقاش فيه صوت سكاكين بتقطع بعصبية
ولا صمت طويل مليان قهر.
بقى فيه موسيقى هادية، ورائحة قهوة، وزرع مالي البلكونة.
أما أبويا
فكان بيكبر عشر سنين كل شهر.
بعد ما خسر شغله وسمعته، مدام اسعاد بعدت عنه بالتدريج.
البنتين حبوه، آه لكن كل واحدة بدأت تبني حياتها بعيد عنه.
ولأول مرة، بقى لوحده فعلًا.
وفي ليلة شتوية، رن جرس باب شقتنا.
فتحت لقيت أبويا.
كان واقف بهدوء غريب، شايل شنطة صغيرة، وشعره كله بقى أبيض تقريبًا.
أمي خرجت من الصالون أول ما سمعت صوته.
وقف يبصلها ثواني طويلة
وبعدين قال بصوت مكسور
أنا اتعاقبت
كفاية يا هدى.
أمي ما ردتش.
قال عارف إني ظلمتك وكسرتك سنين. بس والله ما عرفت قيمتك غير لما خسرتك.
أمي سألته بهدوء وجاي تقولّي ده دلوقتي ليه؟
رد وهو باصص في الأرض عشان تعبت من الوحدة.
الجملة علقت في الجو ثواني.
وأنا قلبي انقبض لأن دي كانت الحقيقة كلها.
مش حب.
ولا ندم كامل.
وحدة.
أمي قربت منه خطوة، وكنت متوقعة إنها يمكن تضعف يمكن تسامحه بعد العمر ده كله.
لكنها قالت بهدوء ثابت
أنا سامحتك من زمان يا عبد السميع.
رفع عينه بسرعة لأول مرة دخلها أمل.
لكنها كملت
بس المسامحة مش معناها أرجع أعيش في نفس الوجع.
وسكتت لحظة، ثم قالت
إنت قضيت 25 سنة تبني حياة سرية وأنا قضيتهم بتعلم إزاي أعيش من غيرك. وتصدق؟ نجحت.
أبويا دموعه نزلت فعلًا.
بص حواليه للشقة للزرع للهدوء لصوت ضحكة أمي وهي بتنادي على الغلاية من شوية.
شاف الحياة اللي كملت من غيره.
وأدرك متأخر جدًا إن الست اللي كان فاكرها مضمونة كانت أثمن حاجة في عمره كله.
مد إيده بالشنطة وقال كنت فاكر لو الدنيا ضاقت هعرف أرجع بيتي.
أمي ردت بمنتهى الهدوء
وده مبقاش بيتك يا عبد السميع ده بيتي أنا.
وساعتها
ولأول مرة من 28 سنة،
أبويا لفّ ومشي
من غير ما حد يوقفه.
قفلت أمي الباب بهدوء.
لا انهارت.
لا عيطت.
بس راحت للبلكونة.
وقفت تسقي الزرع تحت المطر الخفيف، ودكتور شريف بيتصل بيها على الموبايل.
ردت وهي مبتسمة.
وأنا
واقفة
أبص عليها، فهمت أخيرًا إن الانتصار الحقيقي مش إنك تكسر اللي ظلمك
الانتصار الحقيقي إنك تنجو،
وتعرف تعيش سعيد بعده.

تم نسخ الرابط