وقت الفسحة

لمحة نيوز

نبدّل؟
الطفل بص له باستغراب.
قال ياسين زمان حد علّمني إن الأكل لما بيتقسم الخوف بيقل.
الولد أخد قطعة العيش ببطء ولأول مرة، أكل قدام حد من غير ما يهرب.
في نفس الفترة، ليلى كانت بدأت تدير جزء كبير من شغل المؤسسة.
الصحافة بقت مهتمة بقصتهم، والناس بتحب تتكلم عن المليونيرة اللي وقعت في حب الشاب المشرد.
لكن الحقيقة كانت أعمق بكتير من العناوين السطحية.
هي ما حبتوش لأنه بقى ناجح.
حبّته لأنه رغم كل اللي شافه قلبه ما بقاش قاسي.
وفي حفل كبير لتكريم المؤسسة، وقف ياسين على المسرح لأول مرة في حياته قدام مئات الناس.
الأنوار قوية، والكاميرات في كل مكان، والتصفيق مالي القاعة.
المذيع قال بفخر النهاردة بنكرم الأستاذ ياسين، اللي قدر يغيّر حياة أطفال كتير.
ياسين مسك الميكروفون لكن سكت.
إيده كانت بتترعش.
لأنه افتكر أيام كان بيتطرد فيها من قدام نفس الأماكن دي.
القاعة هديت تمامًا.
وبعدين قال جملة واحدة
زمان كنت بقعد برا سور مدرسة مستني نص ساندوتش.
الناس سكتت.
أما ليلى دموعها نزلت فورًا.
ياسين بص ناحيتها وكمل والنهاردة، أنا واقف هنا عشان طفلة صغيرة قررت تشوف إنسانيتي
قبل شكلي.
القاعه كلها قامت تصقف.
لكن ياسين رفع إيده وقال لو عايزين تساعدوا الأطفال دول ماترموش عليهم الفلوس وبس. بصّوا لهم. اسمعوهم. حسسوهم إنهم موجودين.
الكلمات نزلت تقيلة على ناس كتير.
لأنهم لأول مرة فهموا إن الجوع مش دايمًا جوع أكل أوقات بيبقى جوع لرحمة.
بعد الحفلة، ليلى خرجت تلاقيه واقف لوحده برا القاعة، بعيد عن الزحمة كعادته.
قالت له وهي تضحك وسط دموعها إنت لسه بتكره الكاميرات؟
تنهد بحس إني لسه الولد اللي ورا السور.
قربت منه أكتر وقالت لا إنت بقيت الراجل اللي فتح الباب.
بصلها طويل بنفس النظرة القديمة اللي عمرها ما اتغيرت.
وقال بهدوء بس الباب ده إنتِ أول واحدة فتحتيه. مرت خمس سنين كمان
والمركز الصغير بقى مؤسسة كبيرة ليها فروع في كذا محافظة.
أطفال كتير دخلوا منه المدارس، وناس كتير لقت شغل وسكن وحياة جديدة.
لكن أغرب حاجة إن ياسين عمره ما ساب البوابة.
كل يوم الساعة واحدة الضهر، مهما كانت عنده اجتماعات أو مقابلات أو تكريمات، كان ينزل يقف بنفسه عند باب المركز وقت الغدا.
الموظفين كانوا يضحكوا أكيد مستني حد مهم.
وهو يبتسم من غير ما يرد.
وفي
يوم شتا، عربية فخمة وقفت قدام المركز، ونزلت منها ست كبيرة في السن، باين عليها الهيبة والغنى.
كانت والدة ليلى.
الموظفين استغربوا لما طلبت تقابل ياسين لوحده.
دخلت مكتبه وبصت حواليها صور أطفال، رسومات صغيرة، وعلب عصير شوكولاتة محطوطة على الرف.
ابتسمت بحزن وقالت عارف؟ أنا زمان كنت فاكرة بنتي بتضيع مستقبلها بسببك.
ياسين سكت باحترام.
لكنها كملت طلع العكس إنت اللي رجعتلها إنسانيتها.
وبعدين طلعت ظرف صغير من شنطتها.
ناولهوله.
فتح الظرف واتجمد.
كانت صورة قديمة جدًا باهتة من الزمن.
صورة لبنت صغيرة واقفة ورا سور مدرسة، ومدية ساندوتش لطفل رفيع واقف برا.
ياسين رفع عينه بصدمة مين صور دي؟!
ابتسمت السواق القديم بتاعنا احتفظ بيها كل السنين دي.
إيده كانت بتترعش وهو ماسك الصورة.
لأن دي كانت أول مرة يشوف نفسه من برّه
أول مرة يشوف إن اللحظة الصغيرة دي كانت حقيقية فعلًا، مش مجرد حلم طفل جعان.
بعدها بأيام، المؤسسة عملت افتتاح لفرع جديد.
المكان كان مليان أطفال وضحك وزينة بسيطة.
وفي آخر الحفل، ليلى طلبت الميكروفون.
الناس سكتت.
بصت لياسين بابتسامة وقالت في ناس بتفتكر
إن المعجزات لازم تبقى كبيرة بس أحيانًا، المعجزة بتبدأ بنص ساندوتش من ورا سور.
الجميع ضحك بخفة، أما ياسين ففضل باصلها وعينه مليانة دموع.
وكملت أنا طول عمري كنت فاكرة إني أنا اللي ساعدت ياسين لكن الحقيقة إنه هو اللي علّمني معنى الرحمة، ومعنى الكرامة، ومعنى إن الإنسان ممكن ينجو بسبب كلمة طيبة.
وبعدين نزلت من على المسرح ووقفت قدامه مباشرة.
وقالت بصوت واطي، لكنه وصل لكل القاعة
تتجوزني يا ياسين؟
القاعة انفجرت تصفيق وضحك ودموع.
أما ياسين فضل ساكت ثواني، نفس السكون القديم اللي كان بييجي قبل أي لحظة تغيّر حياته.
وبعدين ضحك الضحكة اللي كانت زمان نادرة جدًا.
وقال بس بشرط.
ليلى ضحكت وهي بتمسح دموعها إيه؟
قال كل يوم وقت الغدا نقسم الساندوتش بالنص.
ضحكت وسط بكاها، وهزت راسها بالموافقة.
وبعد سنين طويلة
كان فيه طفل صغير جديد واقف متوتر على باب المؤسسة.
خايف يدخل.
جعان.
وحاسس إنه مالوش مكان.
فقربت منه بنت صغيرة، بنت شعرها أسود وعينيها دافية جدًا ومدّت له نص ساندوتش من ورا الباب وهي تهمس
خد بسرعة قبل ما الأكل يبرد.
ومن بعيد كان ياسين وليلى واقفين يبصوا عليهم
في صمت.
لأن الرحمة الحقيقية عمرها ما بتقف عند شخص واحد.
هي بتكمل.

تم نسخ الرابط