وقت الفسحة

لمحة نيوز

فيها أصلًا.
المطر بدأ ينزل خفيف برا المركز، والأطفال حوالين الاتنين بيضحكوا ويلعبوا.
وفجأة، طفل صغير شد جاكيت ياسين وقال له عمو ياسين، خلص الأكل.
ياسين نزل لمستواه فورًا، وقعد على ركبته قدامه، وابتدى يقسم الساندوتشات بنفس الطريقة اللي كان بياخد بيها نص ساندوتش ليلى زمان.
ليلى كانت بتبص عليه وقلبها بيتعصر.
الولد اللي كان بيستنى لقمة عشان يعيش بقى هو اللي بيأكل عشرات الأطفال.
بعد الافتتاح، ليلى أصرت يخرجوا يتمشوا شوية.
لفّوا في شوارع وسط البلد القديمة، وكل خطوة كانت كأنها بترجعهم لنسخهم الصغيرة.
وقفوا قدام محل عصير قديم، فقال ياسين فجأة فاكرة اللبن بالشوكولاتة؟
ضحكت كنت بستخبى عشان ماما ما تعرفش إني بسرقه من التلاجة.
ضحك لأول مرة بصدق، الضحكة اللي تخلي وشه كله ينور.
بس فجأة سكت.
ليلى لاحظت التغيير فورًا مالك؟
بصلها شوية وقال تعرفي أصعب حاجة حصلتلي إيه؟
إيه؟
إني بعد ما اتعودت إن فيه حد شايفني رجعت أبقى غير مرئي تاني.
الكلمة نزلت عليها كأنها طعنة.
لأنها فهمت أخيرًا إن اللي كانت شايفاه مساعدة بسيطة كان بالنسبة له طوق نجاة.
وقبل ما ترد، سمعوا صوت عربية وقفت بعنف جنب الرصيف.
راجل كبير نزل منها بسرعة شعره بقى أبيض أكتر، لكن هيبته لسه زي ما هي.
أبو ليلى.
عينه جت على ياسين واتجمد مكانه.
ولأول مرة
من سنين طويلة الرجل المتعود الناس كلها تبص له باحترام، بان على وشه شيء شبه الخجل.
قرب ببطء وقال إنت لسه فاكرني؟
ياسين رد بأدب طبعًا يا باشا.
الأب بلع ريقه بصعوبة، وبص للأرض قبل ما يقول أنا ظلمتك زمان.
ليلى بصت لأبوها بصدمة لأنها أول مرة تسمعه يعترف بغلطه.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لما الأب مد إيده لياسين وقال المركز الجديد ده محتاج مدير. وحد حكالي إن الشاب اللي واقف قدامي هو أكتر واحد فاهم الأطفال دول.
ياسين اتسعت عينه بدهشة أنا؟
الأب هز راسه أيوه إنت لأنك الوحيد اللي عشت اللي هما عايشينه.
والشارع كله كان ساكت
إلا قلب ليلى، اللي أخيرًا حس إن الزمن رجّع حاجة كانت ضاعت منه زمان جدًا ياسين فضل باصص لإيد أبو ليلى الممدودة قدامه
إيد زمان كانت سبب إنه يتحرم من المكان الوحيد اللي حس فيه بالأمان.
ثواني طويلة عدّت قبل ما يمد إيده ويسلّم عليه.
لكن المصافحة دي ماكانتش عادية
كانت كأن سنين كاملة من الوجع، والبرد، والجوع، والانتظار بتعدّي في لحظة واحدة.
أبو ليلى قال بهدوء أنا كنت فاكر إني بحمي بنتي بس الحقيقة إني كنت بحمي صورتي قدام الناس.
ياسين ما ردش.
لأن بعض الاعتذارات مهما كانت صادقة، عمرها ما تمسح اللي فات بالكامل.
لكن ليلى كانت شايفة حاجة تانية.
شايفة إن الولد اللي الناس كانت بتطرده من قدام المدارس
والمطاعم واقف دلوقتي قدام نفس الناس مرفوع الراس، من غير ما يصرخ أو ينتقم أو يكسّر حد.
وده كان أكبر انتصار.
بعد شهرين، المركز الخيري الجديد فتح أبوابه رسميًا.
والناس بدأت تتكلم عن الشاب الصغير اللي قدر يجمع أطفال الشوارع، ويقنعهم يدخلوا المكان من غير خوف.
كان يعرف هما محتاجين إيه قبل ما يتكلموا أصلًا.
يعرف يعني إيه طفل ينام وهو خايف حد يسرق الجزمة من رجله.
ويعني إيه تبقى جعان لكن كرامتك تمنعك تمد إيدك.
الأطفال حبوه بشكل غريب.
كانوا يجروا أول ما يشوفوه عمو ياسين جه!
أما ليلى فبقت تيجي كل يوم تقريبًا.
في الأول بحجة الشغل.
بعدين بحجة الأطفال.
وفي الآخر بطلت تدور على حجة أصلًا.
وفي ليلة هادية، بعد ما المركز قفل، كانوا قاعدين فوق السطح يشربوا شاي.
القاهرة تحتهم كانت مليانة دوشة وأنوار لكن فوق، الدنيا كانت هادية بشكل غريب.
ليلى بصت له وقالت عمرك زعلت مني؟
ياسين ابتسم وهو باصص للسما زمان آه.
قلبها وجعها.
لكنّه كمل بس بعدين فهمت إنك كنتي طفلة وإنتِ الوحيدة أصلًا اللي عاملتيني كإنسان.
سكت شوية قبل ما يبصلها إنتِ عارفة إنك أنقذتيني؟
ليلى ضحكت بخفة بساندوتش جبنة؟
قال بهدوء لا بفكرة إن الدنيا ممكن يبقى فيها رحمة.
الدموع لمعت في عينها، لكنها حاولت تداريها بالشاي.
وفجأة، ياسين طلع من جيبه حاجة صغيرة
ملفوفة في منديل قديم.
ناولها لها.
فتحتها ببطء واتجمدت.
علبة عصير شوكولاتة قديمة فارغة.
بصت له بعدم فهم.
ابتسم وقال دي أول واحدة اديتهالي.
شهقت إنت محتفظ بيها لحد دلوقتي؟!
هز كتفه بخجل خفيف كانت أول حاجة في حياتي حد يديهالي بحب.
ليلى مقدرتش تمنع دموعها المرة دي.
وفي اللحظة دي فهمت إن بعض الأفعال الصغيرة اللي بنفتكرها عادية، ممكن تبقى بالنسبة لحد تاني السبب اللي خلاه يكمل يعيش.
بعد سنة
اتكتب اسم ياسين في الجرايد.
الشاب الذي أنقذ أكثر من 300 طفل مشرّد.
والناس اللي كانت بتقرف تبص له زمان بقوا يطلبوا يتصوروا معاه.
لكن ياسين ما اتغيرش.
كان لسه كل يوم وقت الغدا يقف عند بوابة المركز بنفسه.
ولما طفل جديد خائف يقرب، يبتسم له ويقول
تعالى الأكل هنا بيتقسم بالنص. وفي يوم من الأيام
وصل للمركز طفل صغير محدش عرف اسمه.
كان ساكت طول الوقت، هدومه متقطعة، وعينيه مليانة خوف بالطريقة اللي تخلي أي حد يبص له ويعرف إنه شاف أكتر من سنه بكتير.
المشرفين حاولوا يكلموه رفض.
الأطفال قربوا منه استخبى.
حتى الأكل، كان ياخده ويجري يستخبيه في الركن كأن حد هيخطفه منه.
لكن ياسين أول ما شافه قلبه اتقبض.
لأنه شاف نفسه.
في نفس الليلة، بعد ما الأطفال ناموا، لقى الولد قاعد لوحده تحت السلم، ضامم الأكل لصدره.
ياسين قعد جنبه بهدوء
من غير ما يتكلم.
فضلوا ساكتين دقايق طويلة.
بعدين ياسين مد له نص قطعة عيش وقال بابتسامة تحب
تم نسخ الرابط