جارتى كانت بتجيلى كل يوم

لمحة نيوز

رجليها بطّلوا يشيلوها.
لا لا، هو مش ممكن ياخده مني صح؟
المحامي كان واقف ببرود مزعج، والست اللي معاه بتتفادى تبص في عينينا.
قلت وأنا ماسكة الورقة بعد اللي عمله؟ عنده عين يطلب حضانة؟
المحامي عدّل نضارته. موكلي بيدّعي إن السيدة لوسي غير مستقرة نفسيًا، وإنها خطفت الطفل من المنزل الزوجي.
ضحكت. ضحكة ناشفة طلعت من قلبي غصب عني.
يا سلام. والراجل اللي كان بيحبس مراته ويعدّ عليها الحفاضات بقى الأب المثالي؟
ما ردش.
لوسي كانت بتترعش. هو قاللي قبل كده قال لو حاولت أسيبه هياخد إميليانو ومحدش هيصدقني.
قربت منها ومسكت وشها بين إيديا. بصيلي. أهم حاجة دلوقتي ما تخافيش.
لكن الحقيقة؟ أنا نفسي كنت خايفة.
المحاكم ساعات ما بتشوفش الرعب اللي بيستخبى ورا البيبان المقفولة. بتشوف ورق. وعناوين. وصور راجل لابس بدلة.
بعد ما مشي المحامي، فضلت لوسي قاعدة ساكتة ساعة كاملة.
وفجأة قالت يمكن أرجعله.
لفّيت ناحيتها بعنف. إياكي.
بس لو خد ابني
هيستخدمه طول عمره عشان يكسرك.
بدأت تعيط بانهيار. أنا تعبت يا مدام كارمن كل ما أحاول أهرب يحسسني إنه أقوى.
سكت شوية.
وبعدين افتكرت حاجة.
قمت ناحية الأوضة، وفتحت درج قديم ما بفتحوش إلا نادر.
طلعت ملف بني.
رجعت وحطيته قدامها.
عارفة ده إيه؟
هزت راسها.
كل مرة كان أدريان يزعق فيها عليكي في الطرقة كنت بسجل التاريخ. فتحت الملف. كل كدمة شفتها. صفحة تانية. كل مرة جيتي فيها تبكي. صفحة تالتة. حتى صوت تهديده يوم حاول يدخل هنا سجلته.

لوسي بصتلي بصدمة. إنتِ عملتي كل ده؟
أنا ست عجوزة يا حبيبتي وما عنديش شغل غير الملاحظة.
ولأول مرة من وصول الظرف شفت شرارة أمل في عينيها.
يوم المحكمة جه أسرع مما توقعنا.
لوسي كانت لابسة قميص أزرق بسيط، وإيديها ساقعة من التوتر.
أما أدريان فدخل بثقة، ببدلة غالية، وشعر مرتب، وكأنه داخل اجتماع شغل مش قضية حضانة.
ولما عينيه وقعت عليّ ابتسم بسخرية.
كأنه بيقول مين هيصدقكم؟
الجلسة بدأت.
محامي أدريان اتكلم عن الأم المضطربة. عن الهروب المفاجئ. عن تأثير الجارة المسنة.
المسنة.
الكلمة ضايقتني أكتر مما المفروض.
وبعدين القاضي بص للوسي. هل لديكِ ما تقولينه؟
لوسي حاولت تتكلم لكن صوتها اختفى.
شفت أدريان يبتسم.
هنا وقفت.
المحكمة كلها بصتلي.
المحامي اعترض فورًا حضرتكِ مين؟
عدلت ضهري وقلت أنا الست العجوزة الوحيدة اللي كانت بتشوف الحقيقة كل يوم الساعة 817 الصبح.
القاضي سمحلي أتكلم.
طلعت الملف.
ووراه الموبايل القديم.
شغلت التسجيل.
وصوت أدريان ملا القاعة
أنتِ ملكي ولو خرجتي هخليكي ما تشوفيش الواد تاني.
الصمت نزل تقيل.
ابتسامة أدريان اختفت.
ولوسي؟ كانت بتبصلي كأنها أول مرة تحس إن حد واقف معاها بالكامل.
لكن قبل ما القاضي يتكلم
أدريان قام فجأة من مكانه وصرخ هي كدابة! الاتنين كدابين!
وضرب الطاولة بعنف لدرجة إن إميليانو اللي كانت أخته شايلاه برة القاعة بدأ يعيط في الممر.
القاضي خبط بالمطرقة بغضب اجلس فورًا!
لكن أدريان كان خلاص فقد السيطرة.
والأسوأ
إنه
بص للوسي بالنظرة نفسها اللي كانت بترعبها زمان.
بس المرة دي
لوسي ما نزلتش عينيها أدريان فضل واقف ثواني، صدره بيطلع وينزل بعنف، وعينيه كلها غضب مكشوف.
لكن الغضب اللي كان زمان بيخوف لوسي
المرة دي فضحه.
القاضي شاور للحرس طلّعوه برّه القاعة.
أدريان حاول يقاوم، ويزعق هي دمرت بيتي! هي سرقت ابني!
ولأول مرة، لوسي ردت من غير رعشة البيت اللي فيه خوف مش بيت.
الصمت اللي نزل بعدها كان أقوى من أي صريخ.
الحرس أخدوه برّه، وصوت اعتراضاته بقى يبعد تدريجيًا في الممر.
القاضي بص للملف طويل. وبص للتسجيلات. وبعدين للوسي.
هل لديكِ مكان آمن للإقامة؟
قبل ما ترد، رفعت إيدي.
عندها.
القاضي ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة. واضح.
بعد أسبوعين، القرار صدر.
حضانة كاملة مؤقتة للوسي. وأمر منع اقتراب ضد أدريان. وإلزامه بحضور جلسات علاج وغضب لو حب يشوف ابنه تحت إشراف.
لوسي انهارت في العياط أول ما سمعنا الحكم.
أما أنا فاكتفيت إني أتنفس.
كأن حمل تقيل كان فوق صدري واتشال.
بعدها بشهور، الحياة بدأت تتصلح بالراحة.
لوسي اشتغلت في مخبز صغير قريب. كانت ترجع بريحة قرفة وسكر بدل ريحة الخوف.
إميليانو بقى يجري في الطرقة ويناديني تيتا كارمن!
وأنا كل مرة أسمعها قلبي يدفى.
وفي يوم ربيع، لوسي خبطت على بابي الساعة 817 بالظبط.
فتحت وأنا بضحك إيه؟ خلص السكر تاني؟
ابتسمت. لكن المرة دي كانت ابتسامة كاملة من النوع اللي ينور الوش.
ومدتلي طبق صغير.
لأ المرة دي أنا اللي جايبالِك.
بصيت
لقيت فيه كليجة وسكر وقهوة.
وقبل ما أتكلم، .
همست في ودني إنتِ أنقذتيني.
ربتّ على ضهرها بهدوء وقلت لا يا حبيبتي أنتِ اللي أنقذتي نفسك. أنا بس فتحت الباب.
وفي تلك اللحظة فهمت حاجة اتعلمتها متأخر
أحيانًا، أعظم حاجة ممكن تعملها لحد إنك تصدّقه لما يقول أنا خايف.
حتى لو قالها وهو طالب شوية سكر.
بعد إذنك يا مدام.. ممكن شوية سكر؟
اديتها نص كوباية. حتى ما عزمتش عليها تدخل. قلت في نفسي بنات الأيام دي حتى مش عارفين يملوا مطبخهم.
لكنها رجعت تاني يوم. واللي بعده. واللي بعده. ديماً الساعة 817 الصبح. ديماً بعد ما جوزها ينزل الجراج، يدور الموتوسيكل بتاعه ويمشي. ديماً والطفل بين إيديها. وديماً بتبص ناحية السلم قبل ما تخبط على بابي.
سكر تاني؟ سألتها يوم خميس وأنا خلاص بدأت أزهق.
حاولت تبتسم. ما عرفتش.
وقتها بدأت أركز بجد. عينيها كانت ورمة، مش من قلة النوم.. من العياط. الطفل كان لابس نفس الطقم الأصفر بقاله تلات أيام. ما كانش معاها موبايل أبداً. ولا شنطة إيد. ولا مفاتيح باينة. ولما كانت بتسمع صوت
خطوات في الطرقة، كانت بتتخشب مكانها كأن فيه مسدس متوجه لقلبها.
أنا اسمي كارمن. عندي اتنين وسبعين سنة. شفت كتير في الحياة دي. وفيه أنواع من الخوف بتعرفها حتى لو كانت متنكرة في شكل أدب وذوق. يوم الاثنين اللي بعده، لما خبطت، ما ادتهاش سكر. وسعتلها الطريق.
ادخلي.
وقفت مكانها.
مش هقدر أتأخر.
يبقى ادخلي بسرعة.
دخلت وهي ضامة الطفل بقوة. كانت ريحتها لبن
قاطع، وصابون رخيص، وخوف. صبيت لها شوية قهوة. أول ما مسكت المج، إيدها بدأت تترعش.
اسمك إيه يا حبيبتي؟

تم نسخ الرابط