تركت امى مع زوجتى
تقتلوا ابني؟
ساد الصمت.
ثم خرجت الكلمات التي لم أتخيل يومًا أنني سأقولها من هذه اللحظة لا واحدة منكم ستقترب من زوجتي أو ابني مرة أخرى.
أمي بدأت تبكي ستقطع أمك لأجلها؟
لكنني نظرت نحو الحضانة الزجاجية في آخر الممر حيث كان آدم الصغير موصولًا بالأسلاك، يصارع فقط ليأخذ نفسًا طبيعيًا.
ثم نظرت إلى سميرة التي بالكاد نجت.
وأدركت شيئًا مرعبًا
لو عدت متأخرًا ساعة إضافية فقط ربما كنت سأدفنهما معًا مرت الساعات التالية كالكابوس.
الشرطة أخذت أقوال الجميع والأطباء كانوا يدخلون ويخرجون من غرفة آدم باستمرار.
أما أنا، فجلست بجوار سميرة ممسكًا بيدها، غير قادر حتى على النظر في عينيها طويلًا.
لأن الشعور بالذنب كان يلتهمني.
فجأة سألتني بصوت ضعيف أنت مصدقني؟
رفعت رأسي بسرعة.
كيف يمكن لإنسان يصل به الخوف إلى أن يسأل هذا السؤال؟
أمسكت وجهها بين يديّ وقلت أقسم لكِ لو العالم كله كذبك، أنا لا.
أغلقت عينيها وبدأت تبكي بصمت.
بعد قليل، خرج الطبيب من غرفة الأطفال.
وقفت فورًا.
قال الحرارة بدأت تنخفض لكنه سيبقى تحت الملاحظة.
شعرت أنني أتنفس لأول مرة منذ ساعات.
ثم أضاف الطبيب لكن هناك أمر مهم الطفل كان يعاني من سوء تغذية واضح.
التفتُّ نحوه بصدمة ماذا؟!
قال بهدوء يبدو أنه لم يكن يُرضَع
نظرت إلى سميرة.
انهارت فورًا كانوا يأخذونه مني وعندما يبكي يقولون إنني أتخيله.
ثم وضعت يدها على فمها تبكي بحرقة كنت أسمعه يبكي خلف الباب وأنا لا أستطيع الوقوف حتى.
شعرت بشيء أسود يملأ صدري.
في تلك اللحظة، دخل الضابط مرة أخرى.
وقال نحتاجك قليلًا يا أستاذ يوسف.
خرجت معه إلى الممر.
ثم سلّمني هاتفًا صغيرًا داخل كيس شفاف.
هاتف سميرة.
قال وجدناه في حقيبة والدتك.
تجمدت.
فتح الضابط سجل المكالمات أمامي.
عشرات المحاولات
كلها نحوي.
كلها محذوفة.
لكن النظام احتفظ بالأثر.
يداي بدأت ترتجف.
كانت تحاول الاتصال بي طوال الوقت.
وأنا؟ كنت أظنها بخير لأن أمي كانت تقول ذلك.
ثم قال الضابط بهدوء هناك شيء آخر.
أخرج هاتفه، وشغّل تسجيلًا صوتيًا قصيرًا.
صوت أختي.
واضح جدًا.
اتركيها تبكي يوسف دائمًا يصدقنا نحن.
ثم صوت أمي
المهم الولد يتعلق بنا، وليس بها.
شعرت ببرودة تسري في جسدي كله.
لم يكن إهمالًا فقط.
كان شيئًا أقسى أعمق شيئًا مريضًا.
سألت الضابط بصوت مخنوق من أين حصلتم على هذا؟
قال الجارة المقابلة سمعت الصراخ أكثر من مرة وسجلت جزءًا منه ليلة أمس.
أسندت ظهري إلى الحائط.
وفجأة كل شيء أصبح واضحًا.
النظرات. السيطرة. إهانتهم المستمرة لسميرة. إبعادها
لم يكونوا يريدون مساعدتها أبدًا
بل كانوا يريدون كسرها.
عاد الضابط يتحدث والدتك وأختك بانتظار التحقيق الرسمي.
ثم نظر إليّ وسأل هل تريد تقديم بلاغ كامل؟
السؤال كان بسيطًا
لكن جوابه كان يعني شيئًا ضخمًا.
يعني أنني سأواجه عائلتي. أمي. المرأة التي ربتني وحدها بعد وفاة أبي.
أغمضت عيني للحظة
ثم تذكرت همسة سميرة في المستشفى يوم الولادة
عدني ألا يؤذيه أحد.
فتحت عيني.
وقلت دون تردد نعم سأكمل البلاغ مرّت ثلاثة أشهر.
ثلاثة أشهر امتلأت بالمحاكم، والتحقيقات، وكلمات لم أتخيل يومًا أنني سأقولها ضد أمي وأختي.
في البداية، حاولت العائلة كلها الضغط عليّ.
خالاتي أعمامي حتى بعض الجيران.
الجميع كان يردد الجملة نفسها مهما حصل هذه أمك.
لكن أحدًا منهم لم يرَ آدم تلك الليلة.
لم يسمع بكاءه الضعيف ولم يرَ سميرة وهي ترتجف خوفًا كلما فُتح باب الغرفة.
ولم يعرفوا كيف كنت أستيقظ كل ليلة مذعورًا، أتأكد أن ابني ما زال يتنفس.
التحقيق كشف أشياء أكثر مما توقعت.
الجارة شهدت بأنها كانت تسمع صراخ سميرة يوميًا.
وأثبت تقرير الطبيب أن آثار الكدمات ناتجة عن تقييدٍ عنيف لمعصميها.
أما التسجيل الصوتي فكان كافيًا ليهدم كل محاولات الإنكار.
أمي انهارت في الجلسة الأخيرة.
بكت وقالت إنها كانت
لكن القاضي قال جملة بقيت عالقة في رأسي القسوة لا تصبح رحمة لمجرد أنها قديمة.
صدر الحكم.
لم يكن طويلًا جدًا بسبب سنّ أمي لكن المحكمة منعت أمي وأختي من الاقتراب من سميرة أو آدم نهائيًا.
وعندما خرجت من المحكمة، شعرت أنني خسرت شيئًا كبيرًا
لكنني في الوقت نفسه أنقذت ما هو أهم.
انتقلنا بعدها من القصبة إلى شقة صغيرة في حي هادئ.
لم تكن فاخرة لكنها كانت دافئة.
لا صراخ فيها. لا خوف. لا أبواب تُغلق على البكاء.
في البداية، كانت سميرة تخاف من كل شيء.
إذا بكى آدم لثوانٍ، ترتجف. إذا تأخرتُ في الرد على الهاتف، تصمت وكأنها تتوقع الأسوأ.
لكنها بدأت تتعافى ببطء.
أما آدم فكبر.
وصار يضحك كلما حملته أمه.
وفي إحدى الليالي، كنت أجلس قرب سريره بعد أن نام، حين جاءت سميرة وجلست بجانبي.
ثم همست هل ندمت؟
نظرت إليها.
كانت تحمل آدم بين ذراعيها، وتبدو لأول مرة منذ شهور مطمئنة.
سألتها على ماذا؟
قالت لأنك خسرت عائلتك بسببي.
ابتسمت بحزن، ثم نظرت إلى ابني الصغير.
وقلت بهدوء العائلة لا تؤذيكِ ثم تطلب منك أن تسكت.
سكتت لحظة.
ثم أضفت أنا لم أخسر عائلتي أنا حميتها.
وفي تلك اللحظة تحرك آدم نائمًا، وأمسك إصبعي الصغير بيده.
قبضة صغيرة جدًا
لكنها
أحيانًا أصعب قرار يتخذه الإنسان، هو القرار الذي ينقذ من يحبهم.