تركت امى مع زوجتى
تركتُ أمي مع زوجتي أربعة أيام بعد الولادة وعندما عدت، كان طفلي يحترق من الحمى، وزوجتي بالكاد تهمس لم يسمحوا لي بالاتصال بك لكن الذي حطّمني حقًا لم يكن حالتهما بل الكلمات التي سمعتها بعدها بدقائق من أمي.
اسمي يوسف بن سالم، أعيش في قصبة الجزائر، وأعمل مشرفًا على مستودع تابع لشركة شحن.
زوجتي سميرة امرأة رقيقة، تعتذر حتى عندما لا تخطئ، تخفض صوتها دائمًا، وتخفي ألمها خلف.
قبل أسبوع، أنجبت طفلنا الأول، وسمّيناه آدم.
لا أنسى نظرتها إليه في المستشفى؛ كانت مرهقة، شاحبة، يغمرها العرق، ومع ذلك ابتسمت وكأنها تحتضن العالم كله، ثم همست بصوت ضعيف
عِدني ألا يؤذيه أحد.
وعدتها دون تردد
ولم أكن أعلم أن هذا الوعد سيُختبر بهذه القسوة.
بعد أربعة أيام، اضطررت لمغادرة الحي بسبب مشكلة عمل طارئة.
لم أرد الرحيل فقد كانت سميرة بالكاد تقوى على الحركة، والألم لا يزال ينهش جسدها، وطفلنا لا يتوقف عن البكاء.
لكن أمي أمسكت بيدي عند الباب وقالت بثقة باردة
لا تقلق سأعتني بهما.
وأضافت أختي بنبرة ساخرة
كل شيء تحت السيطرة.
نظرت إلى سميرة، فوجدتها تستند إلى الجدار، تُجبر نفسها على الابتسام حتى لا تُشعرني بالذنب، ثم همست
عُد سريعًا.
قبلت جبينها وغادرت، بينما كان ذلك الشعور الغامض يرافقني دون تفسير.
خلال الأيام الأربعة، كنت أتصل باستمرار.
كانت أمي هي من تجيب دائمًا أما سميرة فكانت تظهر للحظات قصيرة فقط، وتبدو أضعف في كل مرة.
سألت عن حالها، فقيل لي ببرود إنها ولدت للتو وهذا طبيعي وتبع ذلك ضحك خافت زاد شكوكي.
كان هناك خطأ ما
لكنني، رغم كل شيء وثقت بهم.
في اليوم الرابع، أنهيت عملي مبكرًا، وقررت العودة دون إخبار أحد.
وصلت قبل شروق الشمس بقليل وكانت الأزقة هادئة على غير عادتها.
باب المنزل كان مفتوحًا نصف فتحة.
دخلت
كان المكان باردًا بشكل غير طبيعي، والمكيف يعمل بأقصى طاقته.
أمي وأختي نائمتان بعمق وسط فوضى وبقايا طعام.
لا أثر لعناية
لا طعام دافئ
لا ملابس نظيفة
لا شيء يدل على وجود مولود جديد.
ثم سمعته
بكاء ضعيف جاف
كأنه يخرج من جسد أنهكه الألم.
ركضت إلى الغرفة.
سميرة ممددة بلا حراك فاقدة الوعي.
وبجوارها كان آدم ملفوفًا ببطانية متسخة، جسده يحترق من الحمى، يبكي دون دموع.
صرخت
سميرة!
هززتها لكنها لم تستجب.
لمست ابني فاجتاحني الذعر.
حرارته مرتفعة بشكل مخيف شفاهه جافة وحفاضه لم يُغيَّر منذ وقت طويل.
صرخت طالبًا المساعدة.
دخلت أمي متظاهرة بالدهشة
ماذا حدث؟
صرخت في وجهها
هذا ما أريد أن أعرفه أنا!
ظهرت أختي خلفها، وقالت ببرود
كفّ عن المبالغة الأطفال يبكون، والأمهات تتعب.
نظرت حولي
الفوضى راحتهم
زوجتي التي تكاد تفارق الوعي
طفلي الذي يعاني بصمت
حملتهما معًا، واندفعت بهما عبر الأزقة الضيقة نحو المستشفى.
هناك تحرك الأطباء بسرعة، تتوالى الأسئلة والوجوه القلقة.
ثم توقّف أحدهم فجأة
رفع ذراع سميرة.
وتجمّد.
آثار واضحة حول معصميها.
نظر إليّ بنبرة حازمة وقال
يجب أن تتصل بالشرطة هذا ليس أمرًا طبيعيًا.
وفي تلك اللحظة
أدركت
أن ما حدث لم يكن إلا البداية.
الجزء الثاني..شعرت بشيء ينكسر داخلي.
نظرت إلى آثار الكدمات حول معصميها مرة أخرى وفجأة لم تعد مجرد علامات.
بل صارت دليلًا.
دليلًا على أن زوجتي كانت تستغيث بينما أنا بعيد أظن أنها بخير.
همست لها بصوت مخنوق مين عمل فيكِ كده؟
أخفضت عينيها فورًا، وكأن الخوف ما زال يسكنها.
ثم قالت بتردد أمك وأختك كانت تمسك الباب.
لم أستوعب الجملة في البداية.
أمي؟
أمي التي كانت تبكي إذا مرضت وأنا صغير؟
شعرت بالغثيان.
وفي تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة بعنف.
دخلت أمي وأختي.
لا أعرف كيف عرفتا مكان المستشفى لكن ملامحهما لم تحمل أي قلق.
بل ضيقًا.
قالت أمي فور أن رأتني يوسف! ما هذه الفضيحة التي صنعتها؟
نظرت إليها غير مصدق.
فضيحة؟
ابني كاد يموت وزوجتي عليها آثار اعتداء وهي خائفة من الفضيحة؟
تقدمت أختي وهي تعقد ذراعيها سميرة دائمًا تمثل دور الضحية لقد أتعبتنا طوال الأيام الماضية.
هنا انفجر شيء داخلي.
صرخت لأول مرة في وجه أمي اصمتي!
ساد الصمت.
حتى أمي نفسها بدت مصدومة.
لم أرفع صوتي عليها يومًا.
لكنني اقتربت منها وأنا أرتجف من الغضب ابني كان يحترق من الحمى! وزوجتي فاقدة الوعي! أين كنتِ؟!
قالت ببرود غريب كنا نربيها فقط المرأة بعد الولادة تصبح مدللة وتحتاج من يضعها عند حدها.
شعرت وكأن أحدهم صفعني.
ثم قالت الجملة التي حطمت آخر شيء بداخلي ولو مات الطفل فالله يعوضكم بغيره.
ساد الصمت لثوانٍ.
حتى الهواء اختفى من الغرفة.
نظرت إليها إلى المرأة التي ربتني ولأول مرة في حياتي شعرت أنني لا أعرفها.
سميرة بدأت تبكي بصمت على السرير.
أما أنا فكنت أحاول ألا أتحول إلى شخص آخر في تلك اللحظة.
دخل الطبيب بسرعة بعدما سمع الصراخ، وخلفه ممرضة تحمل ملفًا طبيًا.
قال الطبيب بحزم من منكم والدة الطفل؟
أجابت أمي بسرعة أنا جدته.
لكن الطبيب تجاهلها ونظر إليّ مباشرة الطفل تعرض لإهمال شديد ولو تأخرتم ساعات إضافية فقط، كانت النتيجة ستختلف تمامًا.
ثم فتح الملف وأضاف ولدينا سبب آخر للقلق
توقفت أنفاسي.
قال الطبيب زوجتك تعاني من نزيف داخلي بسبب إجهاد حاد وعدم تلقي الرعاية بعد الولادة.
سمعت شهقة سميرة.
أما أنا فشعرت بالعالم يدور حولي.
ثم
نظرت إلى سميرة.
كانت ترتجف وتضغط على الملاءة بقوة.
ثم همست هم حاولوا يأخذوا آدم مني تجمدتُ في مكاني.
إيه؟
خرجت الكلمة مني بالكاد.
سميرة أغلقت عينيها، وكأن مجرد تذكر ما حدث يؤلمها أكثر من النزيف نفسه.
ثم قالت بصوت متقطع أول يوم بعد ما سافرت أمك دخلت الأوضة وشالت آدم من حضني وقالت إنني لا أعرف أعتني به.
أمي شهقت بغضب كذابة!
لكن الطبيب رفع يده بحزم لو سمحتِ اخرجي خارج الغرفة.
لأول مرة، رأيت أمي تُجبر على الصمت.
أكملت سميرة وهي تبكي كنت متعبة جدًا جسمي كله كان يؤلمني لكني كنت أريد ابني فقط.
ثم نظرت إليّ بعينين مذعورتين في اليوم الثاني، سمعت أختك تقول لأمك لو بقي الولد معها هتدلعه وتخليه ضعيف زيها.
شعرت بقبضة باردة تعتصر صدري.
قالت بعدها بدأوا يأخذونه مني بالساعات ويغلقون الباب عليّ.
سألتها وأنا أرتجف ولماذا آثار الكدمات؟
سكتت.
ثم همست لأنني حاولت آخذه.
أختي انفجرت كانت هستيرية! كنا نحاول تهدئتها فقط!
لكن هذه المرة لم أنظر حتى إليها.
كنت أنظر إلى سميرة إلى المرأة التي وثقت بي.
وتركتها وحدها.
اقتربت منها ببطء، وأمسكت يدها المرتجفة أنا آسف.
انفجرت بالبكاء فورًا.
بكاء موجوع كأنها كانت تنتظر فقط أن يصدقها أحد.
في تلك اللحظة، دخل شرطيان إلى الغرفة.
الطبيب هو من اتصل بهما.
أحد الضباط سأل بهدوء من صاحب البلاغ؟
أشرت إلى الطبيب.
بدأ يسأله عن حالة الطفل وآثار العنف، بينما كانت أمي تقف في الخلفية وقد تبدلت ملامحها أخيرًا.
لم تعد واثقة.
بدأ الخوف يظهر في عينيها.
قال الضابط بعد دقائق سنحتاج لأقوال الجميع.
فجأة أمسكت أمي بذراعي يوسف لن تدخلنا السجن بسبب امرأة غريبة عن العائلة!
نظرت إلى يدها على ذراعي
ثم
وقلت لأول مرة دون تردد الغريبة ليست سميرة.
اتسعت عيناها بصدمة.
أما أختي فصرخت بعد كل اللي عملناه عشانك؟!
ضحكت بمرارة.
عملتوا إيه؟ كدتوا