لماكنت بجهز
لما كنت بجهز سفرة العيد الكبير أبويا صورني فيديو وأنا لابسة مريلة أمي القديمة، ونشر الفيديو وكتب عليه شغالة العيلة اللي مابتتعبش.....
بقلم منال علي
وعلى ما شوفت الفيديو، كان خلاص ضرب والمشاهدات بالألوفات، وكومنتات ضحك، وحتى إخواتي دخلوا يهزروا ويظيطوا في الزيطة. تاني يوم الصبح، أختي بعتت لي رسالة هو أنا ليه مش عارفة أسحب ال 5 ألف جنيه من حسابك؟ وقتها قمت محولة ال 30 ألف جنيه بتوع أمي كلهم، وقفلت عليهم الفيز والمواقع وكل حاجة، ونزلت البنك لوحدي. وبعد عشرين دقيقة، تليفوني رن.. كانت طنط هدى صاحبة أمي الروح بالروح.. واللي قالتهولي قلب كياني كله.
الفيديو ده كان واقف في منطقة غريبة ما بين الذكرى والإهانة حصري على صفحه روايات واقتباسات مش من النوع اللي بيتنسى بالساهل.
لأ، ده من النوع اللي بيرشق جواك ويغير فيك حاجة وأنت ساكت.
مشوفتوش أول ما نزل.
مكونتش محتاجة أصلاً.
كنت متخيلة المنظر بالحرف.
زاوية التصوير.
الإضاءة.
الطريقة اللي أبويا بيمسك بيها الموبايلقريب بزيادة، وبقصد، كأنه عايز يثبت حالة على كل حاجة، بس هو نفسه مش عايز يكون جزء منها.
والضحكة بتاعتهتبدأ هادية، وبعدين تعلى، كأنه كان شمتان ومستمتع قبل ما أي حاجة تحصل.
كان يوم أول يوم العيد.
المطبخ كان نار، الحرارة
المكان كان فيه طبقات من المشاعر.
نار البوتاجاز.
أجسام بتخبط في بعضها وهي بتتحرك.
والدفا المصطنع اللي بنجبر نفسنا عليه في الأعياد، سواء كان حقيقي ولا تمثيل.
الأصوات كانت دوشة ومبطلتش.
خبط المعالق والشوك.
صلصة الخل والثوم وهي بتغلي وتتسبك.
وصوت أخويا وهو عمال يفتي في موضوع محدش طلب رأيه فيه أصلاً.
كنت برص السفرة زي كل سنة.
أوتوماتيك.
من غير تفكير.
تربيزه السفره الكبيرة كانت واكلة مساحة الصالةخشب تقيل، ومقشر في كذا حتة. كانت أغلى حاجة عند أمي. كانت بتعاملها كأنها بني آدم يعتمد عليه، كأن ليها شخصية.
كل سنة، بطلعها وأفرشها بنفس النظام.
أطباق مش لايقة على بعضها.
سلاطين ملمومة من كل طقم شوية.
حاجات صغيرة أمي جمعتها على مدار سنين بس عشان كانت بتفرحها.
كان عندها قدرة تخلي أكلة بصارة تبان وكأنها عزومة ملوكي.
كنت لابسة المريلة بتاعتها لأني متعودة على كده.
قماش أزرق ناعم، لونه بهت من كتر الغسيل. وردات بيضا صغيرة يدوب باينة بالعافية. وناسل عند الجيب اللي كانت بتحط فيه ورقة المقادير أو فكة السوق.
مبقتش شايلة
مش بجد يعني.
بس ساعات، لو ركزت أوي، كنت بقنع نفسي إني شماها.
مديت إيدي أعدل طبق الشوربة. كان محطوط معوج، وده كان هيضايقها جداً.
وأنا بعدله، شعري نزل على وشي. إيدي كانت ملزقة، فسبته زي ما هو.
ورايا، سمعت ضحكة أبويا.
في الأول طنشت.
هو بيضحك كتيربالذات لما مبيكونش مشارك في اللي بيحصل. كأنه بيفكرنا إنه موجود وخلاص.
بعدين سمعت الصوت التكة الخافتة بتاعة الموبايل.
الصوت اللي بيعلن إن التصوير بدأ.
غريبة أوي إزاي الصوت ده بيبقى مسموع لما تتعود عليه.
لما تتعود إنك تبقى تحت المراقبة.
مش موضع إعجاب.. لأ، مراقبة.
الأول بيحسسك إنك متشاف وليك قيمة.
التاني بيحسسك إنك مجرد لقطة أو محتوى.
لفيت وبصيت له.
كان واقف عند باب المطبخ، رافع الموبايل، وبيبص لي من ورا الشاشة. وشه منور من إضاءة الموبايل، ومبسوط ع الآخر.
في إيه؟ سألته.
بحدة. وبسرعة.
مردش.
فضل يصور.
أختي ميلت لقدام وهي بتضحك بدموع.
يا لهوي يا بابا.. كفاية خلاص.
بس مكنتش تقصد كفاية.
كانت تقصد كمل، ده الفيديو هيجيب لايكات بالهبل.
لفيت ضهري تاني.
وقنعت نفسي إن الموضوع مش مستاهل.
فيديو أهبل.
حاجة بسيطة.
من ساعة ما أمي توفت، وأبويا حول كل حاجة ل بوستات. صور، كومنتات، ذكريات متغلفة عشان يلم تفاعل. حتى الحزن بقى كأنه عرض
كأنه محتاج جمهور يصقف له.
افتكرت إن طناشي هيخلص الموضوع.
بس محصلش.
الموبايل كان ماشي ورايا.
للمطبخ.
للحوض.
لكل مشوار وكل شغلانة محدش كلف نفسه يعملها غيري.
كنت حاسة بيه طول الوقت.
كأنه ضغط على أعصابي.
كأني متصورة فيديو سد خانة من غير إذن.
إديت أخويا لفة مناديل.
ابتسم بسخرية وهو بيبص للموبايل.
اضحكي يا بنتي.. خلي الصورة تطلع حلوة، قالها وهو بيضحك مضحكتش.
العزومة مشيت زي كل سنة.
مجاملات للأكلمن غير أي كلمة شكر للي وقفت طبخت وتعبت أبويا قام قال كلمتين عن الفراق والبيت اللي من غير أم، والكل هز راسه بأسى في اللحظة المناسبة.
الكل مثل الدور صح.
وأنا واقفة هناك، براقبهم كلهم، وحاسة بحاجة جوايا بتتبدل ببطء. لأني كنت فاكرة الحقيقة.
مش اللحظات الكبيرة اللي الناس بتهيص فيها.
لأ، اللحظات الصغيرة.
الأيام الطويلة اللي بتهد الحيل...الليالي اللي مبتحلصش.
إزاي إنك تهتم بحد وتراعي حد ممكن يسحب عمرك بالتدريج.
أنا اللي فضلت هما كانوا بيجوا زيارات.
هما كان عندهم أعذار وشغل وحياة.
أنا اللي بقيت بنت البيت اللي مابتخرجش.
وفي وقت ما، القعدة مابقتش مؤقتة.
بقت هي العادي بقت هي المتوقع مني.
وبعدين بقت حاجة مش متشافة أصلاً.
بعد الأكل، الكل قام قعد في الصالون قدام التليفزيون.
وفضلت أنا.
بشغل نفسي باللي ورايا.
الموبايل في جيبي اتهز مرة وبعدين مرة