رمي مراته
"رمى مراته الحامل في الشارع وسط العاصفة.. مكنش يعرف إنها بنت الملياردير اللي هيمسح عيلته من على وش الأرض!"
المطر كان بيضرب في باب المستشفى كأنه عايز يخلعه من مكانه. ليلة من ليالي أكتوبر السودة في القاهرة، الريح بتصفر والجو غيم، والزبالة والشجر وقرارات البشر الغلط كلهم بيتسحلوا في الشارع سوا. تحت نور كشافات الطوارئ، "ياسين" زق مراته "زينة" من على الرصيف ورمى شنطتها وراها في قلب الطينة والمطر.
الثواني مرت كأنها سنين.. زينة وقعت على ركبها الأول.. وبعدين إيدها.. وبعدين شالت حمل جسمها كله وبطنها اللي في الشهر الثامن وصدمت الرصيف المبلول.
على باب المستشفى، كانت حماتها "ليلى" واقفة بتبص بابتسامة شماتة تقرف، وجنبها "فاتن"، خطيبة ياسين الجديدة، ماسكة الموبايل وبتصور بضحكة رخيصة وكأنها بتتفرج على فيلم كوميدي.
المسعفين جريوا على زينة والمية غرقانة في شعرها وهدومها. مـاصرحتـش.. مـاعيطتـش.. بس كانت ضاغطة على "دلاية" ذهب في رقبتها على شكل "راس أسد" وعينيه فص ألماس صغير، ضغطت عليها لدرجة إن صوابعها ابيضت.
وفجأة.. تلات عربيات مرسيدس سوداء "فامييه" وقفوا قدام المستشفى بفرملة هزت الأرض.
نزل منهم رجالة
"إنت جنيت على نفسك.. مكنش لازم تلمسها."
ياسين مكنش فاهم الكلمة دي وزنها إيه.. لسه. لأن فيه رجالة مابيعرفوش قيمة اللي في إيديهم غير لما يرموه في الزبالة قدام العالم كله. وفيه ستات بيبانوا "غلبانين وساكتين" لحد ما الحقيقة تظهر، وساعتها الكل بيفهم إن السكوت ده مكنش ضعف.. ده كان "أدب".
زينة مكنتش كدة دايماً.. من 12 سنة، مكنتش الممرضة الغلبانة ولا تارجت لحماتها الحرباية. دي كانت "زينة السيوفي"، البنت الوحيدة لـ "منصور السيوفي"، الحوت اللي مملكته مغطية البلد كلها.. مستشفيات، شركات أدوية، استثمارات.
منصور السيوفي ربى بنته إن قيمتها مش في الفلوس، قيمتها في اسمها. ويوم عيد ميلادها الـ 16 لبسها "عقد الأسد" ده وقال لها: "الأسد ده مش مجرد ذهب، ده بيفكرك إنك مهما تهتي، المسيه وافتكري إنتي بنت مين."
زينة حبت ياسين في قافلة طبية، شافت فيه الطموح والجوع للنجاح، وهو شاف فيها الست الهادية الشغيلة. مـاسألش عن أهلها، وهي مـاقالتش.. كانت عايزاه يحب
اتجوزوا، وأبوها احترم اختيارها بس قالهالها: "أنا هراقبك من بعيد يا بنتي."
وعاشت معاه في شقة بسيطة، طبخت وساعدته في المصاريف وشالت فشله مرة ورا تانية. بس أمه "ليلى" كانت بتكرها لأن زينة كانت "هادية" ومابتردش على ردحها، والنوع ده من الستات بيخاف من اللي مابيعرفش يسيطر عليه.
بدأت السموم.. "دي أكيد بتخبي حاجة"، "دي جاية من مقطوعة من شجرة"، "ومين قال إن اللي في بطنها ده ابنك؟". وبعدين جابوا "فاتن"، اللي دخلت البيت ولا كأنها صاحبة مكان، وياسين كان بيخونها قدام عينيها وهي ساكتة.. مش ضعف، بس كانت "بتقيس" قذارتهم لآخر مدى.
قبل العاصفة بأربعة أيام، زينة عملت مكالمة واحدة بس لأبوها:
"يا بابا.. جه الوقت اللي يعرفوا فيه أنا مين."
لما ياسين رماها، زينة اتنقلت لجناح ملكي في المستشفى قبل ما اسمها يتسجل حتى.. "الأسد" اللي في رقبتها فيه شريحة تتبع مربوطة بأمن "آل السيوفي".
زينة ولدت ولد زي القمر.. وصحيت لقيت أبوها، "منصور السيوفي"، قاعد جنبها وماسك حفيده. مـاسألهاش ليه سكتي، ولا وبخها على اختيارها الغلط.. بس بص لجروح إيدها وقال بصوت يرعب:
"وحياة كل دمعة نزلت منك.. مفيش مخلوق هيلمس
وفي الوقت ده، ياسين كان قاعد في الشقة مع فاتن بيحتفلوا، وأمه بتغير الستائر وكأنها كسبت الحرب. مكنوش يعرفوا إن الإعصار الحقيقي مش اللي في الشارع.. الإعصار جاي يهد حياتهم ومستقبلهم في ثواني.
ولما يعرفوا زينة تبقى بنت مين.. هيكون الأوان فات.
تفتكروا منصور السيوفي هيعمل إيه في ياسين وأمه؟ هل هيفلسهم ويشردهم في الشوارع زي ما عملوا في بنته، ولا المواجهة في المحكمة هتبقى "فضيحة بجلاجل" قدام مصر كلها
تاني يوم الصبح…
ياسين صحي متأخر على غير عادته. مدّ إيده ناحية الموبايل… 17 مكالمة فائتة.
كلهم من الشغل.
رد وهو متضايق: – "أيوه يا فندم؟"
صوت بارد جاله من الطرف التاني: – "متجيش تاني… خدماتك انتهت."
سكت لحظة… ضحك بسخرية: – "إنت بتهزر؟"
– "لا. القرار نازل من فوق."
المكالمة اتقفلت.
بص لفاتن اللي قاعدة بتشرب قهوتها: – "واضح إنهم هيستعبطوا شوية…"
لكن قبل ما يكمل… رسالة وصلتله: "تم إنهاء التعاقد. برجاء تسليم العهدة خلال 24 ساعة."
والأغرب؟ كل الأماكن اللي قدم عليها بعدها… رفض.
في نفس اليوم.
في بيت ليلى…
الجيران اللي كانوا بيسلموا عليها كل يوم… بقوا يتجاهلوها.
واحدة منهم همست للتانية بصوت مسموع: