اخرسي خالص

لمحة نيوز

«أنتِ هناء؟».. سألت بصوت واطي ومهزوز: «أنا "نهي".. ممكن آخد من وقتك دقيقة؟»
هناء قعدت، وهي حاسة إن النفس بيتقطع من صدرها.
«أنا أسفة.. عارفة إن الموضوع صدمة»، قالت الست بسرعة: «أنا مش جاية أتخانق.. بس لازم تعرفي.. أنا مع أيمن بقالي سنتين.. والطفل ده ابنه. أنا في الشهر الخامس.»
الكلمات نزلت على ودن هناء زي القلم على الوش.
سنتين.. والشهر الخامس!
«وجاية تقوليلي ليه؟».. هناء سألتها بذهول.
«عشان بيكذب علينا إحنا الاتنين»، قالت الست: «فهمني إنكم منفصلين وخلاص بتطلقوا.. بس النهاردة بعتلي وقالي إنه في اجتماع شغل، ولما كلمته لقيته بيزعق معاكي. ساعتها فهمت اللعبة.»
هناء سكتت كتير، وبصت لبطن الست.
«والفلوس دي.. اللي كان بيبعتها "لمامته"..»
«كانت بتبعتلي أنا»، قالت الست: «عشان إيجار الشقة.. أنا م بشتغلش.»
هناء ضحكت ضحكة مكسورة ومرة.
«مبروك علينا يا ستي.. ستتين بمرتب واحد!»
السكوت ساد المكان، والمطر بره بدأ ينزل ويغرق الشوارع.
«هتعملي إيه دلوقتي؟».. سألت الست.
«مش عارفة.. لسه.»
فتحت هناء موبايلها—15
مكالمة فائتة، و3 رسائل من حماتها. آخر رسالة كانت سم:
«لو مرجعتيش الفلوس دلوقت، يبقى ذنب ابنك في رقبتك.. أنا مش هسكت.»
هناء ورّت الشاشة للست اللي قاعدة قدامها.
«شوفي.. "الحماة الأصيلة"!»
الست ابتسمت بمرارة:
«ده قالي كمان إنها عيانة وبتموت..»
هناء خلصت قهوتها وقامت وقفت:
«خلاص.. جه وقت الحساب.. والنقط تتحط على الحروف.»
لما رجعت البيت، كان أيمن واقف قدام الشباك، وشه مخطوف.
«كنتِ فين يا هانم؟».. زمجر في وشها: «سايبة ابنك لوحده!»
«ما أنت كنت معاه.. هو كويس؟»
هناء وقفت في نص الصالة، ووشها هادي بشكل يخوّف… الهدوء اللي قبل العاصفة.
«كنتِ فين؟!» كرر "أيمن" وهو بيقرب منها بعصبية.
بصتله هناء نظرة ثابتة وقالت بهدوء: «كنت بقابل مراتك التانية.»
الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة.
«إيه الهبل اللي بتقوليه ده؟!» حاول يضحك، بس صوته كان مهزوز.
رمت شنطتها على الكنبة، وطلعت موبايلها، وفتحت صورة كانت متصورة خلسة لـ "نهي" وهي قاعدة قدامها في الكافيه… باين بوضوح بطنها المنتفخ.
وقربت الموبايل من وشه: «خمسة شهور
يا أيمن… مبروك.»
وشه اصفر، وشفايفه اترعشت.
«اسمعي بس… الموضوع مش زي ما انتي فاهمة—»
«لا فاهمة… وفاهمة كويس أوي كمان.» قاطعته، وصوتها بدأ يعلى لأول مرة:
«فاهمة إن الفلوس اللي كنت بتقول رايحة لأمك… كانت رايحة  ! فاهمة إنك بتضحك علينا إحنا الاتنين!»
في اللحظة دي، باب الشقة خبط واتفتح بعنف.
دخلت الحماة وهي بتنهج: «فين الفلوس يا هناء؟! فضحتينا في المحل!»
هناء بصتلها… وبعدين ضحكت ضحكة ساخرة: «لا وكمان جاية تاخدي باقي حقك؟!»
«إيه طريقتك دي يا قليلة الأدب؟!» صرخت الحماة.
هناء اتحركت ناحيتها خطوة، وعينيها بتلمع: «عارفة ابنك بيصرف فلوسه فين؟ ولا كنتي شريكة معاه؟»
الحماة اتلجلجت: «ابني عمره ما يغلط! دي مؤامرة منك!»
«طب شوفي بنفسك.»
ورّت لها الصورة.
الست سكتت… وشها اتغير فجأة.
«دي مين؟»
«دي مرات ابنك التانية… واللي حامل منه.»
أيمن صرخ: «بس بقى! كفاية فضايح!»
هناء لفتت ناحيته بسرعة: «فضايح؟! ده لسه أول السطر!»
وسكتت لحظة… وبعدين قالت الكلمة اللي غيرت كل حاجة:
«أنا رفعت قضية طلاق… وقضية
تبديد… وكل قرش طلع من الحساب ده هترجعه بالقانون.»
«إنتي بتتهوري!» قالها وهو متوتر.
«لا… أنا فوقت.»
الحماة قربت منها وقالت بحدة: «والبيت ده؟ هتمشي وتسيبيه؟»
هناء ابتسمت… ابتسامة فيها قوة غريبة: «البيت ده باسمي أنا… مش باسمه.»
سكت الاتنين.
«يعني إيه؟!» قالها أيمن وهو مش مصدق.
«يعني… اللي هيخرج من هنا مش أنا.»
وأشارت ناحية الباب: «اتفضل… خد مامتك… واطلع بره.»
«إنتي بتطرديني من بيتي؟!» صرخ.
«ده مش بيتك… ده بيت اللي تعبت ودفعته… مش اللي صرفه على واحدة تانية.»
الحماة حاولت تتكلم، بس هناء رفعت إيدها: «اخرسي خالص! كفاية لحد هنا.»
الصمت ملأ المكان… لحظة تقيلة.
أيمن بص حواليه، كأنه أول مرة يحس إنه غريب في المكان.
وبعدين مسك إيد أمه وقال: «يلا نمشي…»
وخرجوا.
الباب اتقفل وراهم… بصوت كان زي إعلان نهاية حكاية.
هناء سندت ضهرها على الباب، ونزلت تقعد على الأرض… دموعها نزلت، بس لأول مرة… كانت دموع راحة.
من جوه الأوضة، "سيف" نادى بصوت صغير: «ماما…»
قامت بسرعة، ومسحت دموعها، ودخلت له.
 قالت: «أنا
هنا يا حبيبي… ومش هسيبك تاني.»
وفي اللحظة دي… كانت بتبدأ من جديد.

تم نسخ الرابط