كنت واقفه في المطبخ بقلم اماني سيد
كنت واقفة في المطبخ، والماية السخنة نازلة على إيدي بتبوشها، وضهري مقسوم نصين من كتر الواقفة. كنت سامعة ضحكهم بره في الصالة، رنة ضحكة "سلوى" سلفي وهي بتتباهى بلون المانيكير الجديد، وصوت حماتي وهي بتدعي لها بالهنا.. وأنا؟ أنا كنت مجرد "خلفية" للمشهد، "موتور" شغال في الكواليس عشان السهرة تظبط.
فجأة، الضحك هدي، وسمعت صوت حماتي بتنادي على محمود جوزي، ودخلوا الأوضة اللي جنب المطبخ.. الأوضة اللي الشباك بتاعها بيفتح على المنور، وصوتهم كان واصل لي كأنهم قاعدين معايا وسط المواعين.
قربت من الشباك وإيدي لسه فيها الصابون، وسمعت حماتي بتقول بصوت واطي بس حاد:
"يا محمود يا حبيبي، العمر بيجري، وصابرين خلاص.. الشقا والخدمة هدوها، وبقت شبه الشغالات، لا لبس ولا زينة ولا روح. أنت محتاج واحدة "تنعنشك"، واحدة تملى عينك وتعرف تخرج بيها قدام صحابك المهندسين."
محمود رد بنبرة فاترة، نبرة وجعتني أكتر من كلام أمه:
"يا أمي، صابرين شايلانا كلنا، ومابتنطقش.. هقولها إيه بس؟"
حماتي ضحكت بسخرية:
"هتقولها إيه؟ مش هتقول حاجة! صابرين 'دبحة' يا محمود، هي أصلاً مابتصدق تخدمنا عشان ترضيك. إحنا هنختار لك 'عبير' بنت خالتك، صغيرة
محمود سكت لثواني.. ثواني كانت كفيلة تقتل كل ذرة حب لسه فاضلة في قلبي، وبعدين قال:
"خلاص يا أمي، اللي تشوفيه.. بس عبير هترضى تسكن هنا مع صابرين؟"
حماتي ردت بثقة:
"ترضى ليه لا؟ البيت كبير، وصابرين هتكون ليها زي الأخت الكبيرة، تطبخلها وتغسلها وتريحها، وأنت تعيش حياتك وتجدد شبابك."
#الكاتبه_امانى_سيد
ياترى رد فعل صابرين ايه ؟؟ وهل هترضى بالظلم صابرين وقفت على طول، ويديها لسه مبلولة من الماية والسابون، وقلبها بقى بيتقصف من جوه. كل كلمة حماتها كانت زي سكين غاطسة في قلبها، وكل ضحكة محمود اللي كان ساكت فيها موافقة صامتة كانت تقطعها أكتر. حسّت إنها اختفت من حياتهم، كأنها مجرد شيء موجود عشان يخدم البيت، والبيت ده بقي مش بيتها أصلاً.
تنهدت ببطء، ومسكت طرف المنديل اللي جنب الحوض، وعيونها دمعت وهي بتشوف المشهد اللي بيحصل برا الشباك. وده اللي خلاها تاخد قرارها: "مش هابقى مجرد ظل.. مش هسيبهم يحسوا إني بلا قيمة."
وفي اللحظة دي، قررت إنها تتصرف بعقل وسخرية معاهم. راحت لمحمود بعدين
"محمود.. أنا مش خدامة عند حد. أنا مراتك، ودي حياتنا. لو دماغك فيها غيرها، يبقى أنا اللي هاختار أعيش حياتي بعيد عنكم، بعيد عن بيتكم وعبير وكل الخيالات اللي بتحاولوا تعملوها."
محمود اتلخبط. مكنش متوقع صابرين تتكلم بالطريقة دي، وهو شاف دموعها وقلبه اتوجع. حاول يتدخل، لكن صابرين كملت بثبات:
"البيت كبير؟ الكبير ده كله مش هيعوض عن إحساسي إنكم شايفيني مجرد خادمة! عبير ممكن تيجي وتعيش هنا، بس أنا مش هابقى ظلك. أنا عندي كرامتي، وعندي نفسيتي، ومش هسيبهم يقتلوا اللي باقي مني."
حماتها صمتت فجأة. الضحك اختفى من وشيها، والوجه اللي كان مليان ثقة اتقشر قدام عين صابرين. عبير كانت واقفة جنبها، وملامحها متجمدة من الاستغراب، مش فاهمة إزاي صابرين قدرت تواجههم كلها مرة واحدة.
محمود، بعد صمت طويل، قرب من صابرين وحاول يمسك إيدها، لكن صابرين بسحبت إيدها. وقالت:
"محمود، لو بتحبني فعلاً، هتختارنا إحنا الاتنين: أنا وانت، بعيد عن لعبة بيتكم وتفضيلاتهم. البيت ده مش كله، بس حياتنا كل حاجة."
اللحظة دي كانت نقطة التحول. محمود بص في عينيها وشاف الألم والغضب والكرامة كلها مركزة فيها، وعرف إنه مش
بعد شوية، حماتها انسحبت من الأوضة وسبتهم لوحدهم، وعبير راحت تتحاشى صابرين، وبدأت الحياة تتغير شوية: محمود بدأ يحس بالمسؤولية تجاه صابرين، وبدأ يفهم إنها مش مجرد "خلفية" في حياته أو في البيت، دي شريكة حياته.
صابرين من يومها، بقت أقوى من أي وقت فات. ما رضتش بالظل، واخدت حياتها وكرامتها بيدها. البيت ما اتغيرش كتير برا، بس جوا قلبها، جوا عقلها، هي اللي كانت ماسكة كل حاجة.
وفي الآخر، صابرين ومحمود ابتكروا عالمهم الخاص بعيد عن ضغوط العيلة، وعبير اتعلمت درس مهم عن الكرامة والاحترام من أقرب واحدة ليها: صابرين، الست اللي رفضت تكون مجرد ظل.الأيام اللي بعدها، صابرين بدأت تحس بحرية لأول مرة من سنين. مشيت في البيت من غير ما تحس إنها مجرد "موجودة عشان تخدم"، ولما محمود شافها بتتصرف بحرية، حس إنه بيكتشفها من جديد. لكنه كمان بدأ يشوف خبايا البيت اللي عمره ما حس بيها قبل كده: سلوى كانت بتحاول تدخل بينه وبين صابرين، وكل خطوة كانت بتحاول تقلل من قيمتها قدام الناس.
وفي يوم، لما صابرين كانت بتجهز الأكل في المطبخ، محمود جه وقال لها:
"صابرين، لازم أحكيلك حاجة عن أمي وسلوى… في