أبويا وأمي
أبويا وأمي ماراعوش حق ولا عشرة، ورفعوا عليا قضية "حجر". وقفوا قدام القاضي ينهشوا في عرضي ويقولوا "بنتنا مخبوحة في عقلها"، ونهبت فلوس الست الكبيرة وهي مش واعية. وصفوني في وسط منطقتنا إني "فاشلة وعطلانة" ومش وش نعمة.. لحد ما القاضي فتح الملف، وهدي خالص، وسأل سؤال واحد شقلب كيان المحكمة باللي فيها.
أنا عمري ما حكيت لأهلي أنا مين بجد، مش عشان خايفة، بس عشان عرفت من صغري إن اللي قدامك لو مش عايز يشوفك نضيف، لو استحميت بمية ورد هيشوفك برضه "خيبة". بالنسبة لأبويا وأمي، أنا كنت "البطة السودة" اللي راسمين لها الفشل من قبل ما تشب عن الطوق.
اسمي نهى، عندي 34 سنة. إحنا أسرة "على قد حالنا" من بتوع "يا مستور" في الظاهر، بس أبويا وأمي غاويين منظرة فارغة قدام الجيران في المنطقة. طول عمري كنت "كنبة" في البيت، لا حد بيشاورلي ولا حد بياخد رأيي، مبيفتكرونيش غير لما يحبوا يحرقوا دمي ويقارنوا أختي الصغيرة بيا، عشان يثبتوا إنها "ست البنات" وأنا "بورة" البيت.
ستهم.. البركة
جدتي "ستهم" كانت هي اللي باقية لي من ريحة الحنية. كانت الوحيدة اللي تلمح عيني مدمعة وإحنا متجمعين على الطبلية، الوحيدة اللي تقولي "مالك يا ضنايا؟" وتستنى تسمع وجعي بجد. في الوقت اللي كان أبويا ليل نهار يطبل لأخويا الكبير ويمجّد في "شطارته" في السوق، وأمي بتزوق في أختي زي "عروسة المولد" عشان تلحق تجوزها لأي حد "لقطة"، كانت جدتي بتبص لي بصه كلها رضا، كأنها شايفة "الدهب" اللي مستخبي تحت التراب اللي هما رادمينه عليا.
لما فارقتنا، سابت لي 25 مليون جنيه.
لا كانت "جمعية" ولا "قرشين تحت البلاطة".. ده ورث شرعي، ملكي "بيوع وشرية" وموثق في الشهر العقاري، وكنت أنا "الوارث الوحيد" للرقم ده بتوصية منها.
ريحة الفلوس بتغير النفوس
أول ما الخبر شموا ريحته، الدنيا اتقلبت خناقة وشردوني في الحي، وبدل ما يقولوا "مبروك" أو "حقك"، راحوا للمحامي ورفعوا القضية.
ما فكروش يرفعوا عليا سماعة تليفون، ولا يسألوا "هي الست عملت كده ليه؟". جالي المحضر بـ "إعلان"
نفس الأب والأم اللي نسوا عيد ميلادي عشر سنين ورا بعض، واللي كانوا بيقولوا على علامي "تضييع وقت ومرقعة"، افتكروا فجأة إن ليهم بنت.. بس لما "الريحة طلعت"، ريحة الملايين.
يوم الجلسة كان يوم تلات يغم القلب، الجو فيه كان كبسة وغبار.
روحت المحكمة بدري، كنت لابسة طقم كحلي بسيط ومحتشم، من غير "فصوص" ولا دهب ولا أي علامة من علامات العز، وكنت لامة شعري ومنظمة ورقي "بالفتلة" زي ما اتعودت في شغلي الخاص اللي هما أصلاً ميعرفوش عنه "ألف من بوه". قعدت في ركن لوحدي، لا قولت "سلام عليكم" ولا "ازيكم"، لأني عارفة إن الكلمة مني هتتحسب عليا.
أبويا وأمي وصلوا ومعاهم المحامي، وداخلين "بصدر مفتوح" وكأنهم ضامنين الدنيا. أول ما أمي شافتني، لوحت بوشها ووقفت في
"دي ما تستاهلش بريزة، طول عمرها 'نحس' ووش فقر علينا!"
أبويا هز راسه ومط شفايفه بحركة "السبع" اللي فاهم كل حاجة وقال للي حواليه:
> "عمرها ما كانت طبيعية، دايما ساكتة ووراها بلاوي متلتلة، الغدر باين في عينيها من صغرها".
> الكاتبه نور محمد
المحامي بتاعهم كان بيضحك بانتصار، وكأنه خلاص حط الفلوس في جيبه. بالنسبة لهم، أنا لسه "نهى" المكسورة اللي بكلمة واحدة "هتجيب ورا" وهيمضوها على تنازل.
فجأة، الحاجب زلزل المكان بصوته: "محكمة!".. دخل القاضي بهيبته، وفتح المحضر، وبدأت الحكاية تاخد مجرى تاني
القاضي قعد على المنصة، قلبه باين عليه الهدوء، مش مستعجل، ولا متأثر بالكلام اللي اتقال برا. فتح الملف قدامه، وبص فيه شوية… وبعدين رفع عينه عليّا.
سألني بصوت ثابت: "اسمك بالكامل؟"
رديت بهدوء: "نهى محمد عبدالعاطي."
هز راسه، وبص تاني في الورق… وبعدين سأل السؤال اللي محدش كان متوقعه:
"حضرتك بتشتغلي إيه يا أستاذة
سؤال بسيط… بس وقع زي القنبلة.