انا دلوقتى
أنا دلوقتي عندي 41 سنة، بس من 12 سنة حياتي كلها اتقلبت في يوم واحد بس.
كنت نازلة بدري شغلي زي كل يوم، الشارع كان هادي ولونه رمادي، والبرد بيقرص في وشي. قبل ما أنزل، كنت مطمّنة على جوزي ستيفن، كان لسه عامل عملية، أكلته وغيرت له على الجرح وخليته مرتاح. حياتنا كانت ماشية بنظام هادية ومتوقعة.
لحد اليوم ده.
في نص الرصيف كده، لمحت عربية أطفال.
مفيش حد حواليها ولا أي أب أو أم.
قلبي وقع في رجلي. جريت عليها وبصيت جوا.
لقيت بنتين توأم صغيرين أوي، يمكن عندهم ست شهور، متلفين في بطاطين خفيفة. نفسهم باين في الهوا البارد.
مين ممكن يسيب أطفال بالشكل ده؟!
اتوترت جدًا.
خبطت على أبواب الناس محدش رد. اتصلت بالنجدة، وبعدها بحماية الطفل. فضلت قاعدة جنبهم على الرصيف، ولمّيت عليهم بالجاكيت بتاعي، وبكلمهم بهدوء مش عارفة هما سامعينني ولا لأ أصلاً.
لما الأخصائية الاجتماعية وصلت
بالليل، وأنا بحكي لستيفن، صوتي كان بيرتعش
دول لسه بيبيهات طب لو محدش اهتم بيهم؟
سكت شوية وبعدين قال بهدوء
طب ما نجرب ناخدهم رعاية؟
ما صدقت نفسي من الأمل.
بعد كام أسبوع، الأخصائية قالتلي حاجة تانية
هما صُم أغلب العائلات مش بتقبل الحالة دي.
ما فكرتش لحظة.
قولتلها وأنا بعيط
مش فارق معايا هما كاملين. محتاجين حب بس.
الموضوع ماكانش سهل. اتعلمت لغة الإشارة من الصفر. غيرنا في البيت عشان يبقى مناسب ليهم. اشتغلت ساعات زيادة. كان في تعب وسهر وشك بس هانا وديانا غيروا حياتنا كلها.
ضحكهم من غير صوت، بس مليان نور كان مالي البيت بطريقة مفيهاش أي صوت ممكن يعوضها.
احتفلنا بكل حاجة أول إشارة قالوها، أول خطوة، أعياد ميلاد مليانة ألوان وتورتة وزينة معمولة بإيدينا.
كبروا وبقوا بنات شاطرة جدًا، ذكية، وقلبهم أبيض.
12 سنة عدّوا كأنهم لحظة.
وفي يوم بعد الضهر، التليفون رن.
ألو، مدام ليستر؟ بكلمك بخصوص هانا وديانا.
قلبي اتقبض.
أيوه أنا في إيه؟ حصل إيه لبناتي؟
اللي سمعته بعد كده خلّى إيدي تتنمل.
كنت هوقع التليفون من إيدي.
إنتوا بتتكلموا بجد؟!
قلت بصوت مهزوز
بناتي عملوا كده؟! بجد عملوا كده؟فضلت ساكتة لحظة، وأنا حاسة إن قلبي هيقف.
الصوت في التليفون قال بهدوء
مدام ليستر بنتكوا شاركوا في إنقاذ طفلة صغيرة كانت بتتاخد بالقوة في الشارع. هما اللي بلغوا الشرطة، واتصرفوا بسرعة خلتنا نوصل في الوقت المناسب.
دموعي نزلت لوحدها.
إيه؟! إزاي يعني؟!
ردت الست
كانوا راجعين من المدرسة، ولاحظوا راجل بيشد بنت صغيرة وبيحاول يدخلها عربية. البنت كانت بتصرخ، بس الناس فاكرة إنها بتدلع أو بتهزر.
وقفت مكاني، إيدي بتترعش.
هانا خدت بالها من تعبيرات وش البنت وديانا ركزت في حركة الراجل. فهموا إن في حاجة غلط. جريوا وراهم،
واحدة فيهم صورت الموقف بالموبايل، والتانية كلمت الطوارئ عن طريق خدمة الرسائل، وفضلوا يحددوا المكان بدقة. كمان حاولوا يشدوا انتباه الناس حواليهم لحد ما حد تدخل.
أنا مش مصدقة
بناتي عملوا كل ده؟
أيوه يا مدام ولو ماكانوش تصرفوا بالسرعة دي، كنا ممكن نخسر الطفلة.
قعدت على الكرسي وأنا بعيط، بس المرة دي دموع فخر.
في نفس اليوم، طلبوا مني أروح المدرسة.
لما وصلت، لقيت تجمع كبير مدرسين، أولياء أمور، وحتى ناس من الصحافة.
وهما واقفين قدام الكل.
هانا وديانا.
مبتسمين بخجل، ماسكين إيدين بعض.
أول ما شافوني، جريوا عليّا. حضنتهم جامد، كأني بخاف حد ياخدهم مني تاني.
مديرة المدرسة بدأت تتكلم، وقالت إنهم مثال للشجاعة والوعي، وإن إعاقتهم ماوقفتش طريقهم بالعكس، خلتهم يشوفوا حاجات ناس كتير ما بتشوفهاش.
واحد من الضباط سلّمهم شهادات تقدير، وقال
إنتوا
بصيت لهم وافتكرت أول يوم شفتهم فيه.
العربية