بتتحسبني علي مين بقلم اماني سيد
حماتها—أمها—بصت لها بصدمة: "نهى… يا بنتي…"
نهى مسكت إيد أمها وقالت بهدوء: "خلاص يا ماما… اللي يتكسر عمره ما يرجع زي الأول."
بعدين بصت للمأذون وقالت بثبات: "فين الورق؟"
وقعت… بس المرة دي إيدها ما كانتش بتترعش.
كانت بتمضي على النهاية… وهي مرفوعة الراس.
أنا حسيت بحاجة غريبة… حاجة أول مرة أحسها… خوف.
مش منها… من نفسي.
من اللحظة اللي فهمت فيها إني خسرت مش بس زوجة… لا… أنا خسرت إنسانة كانت مستحملاني بكل عيوبي.
أمي حاولت تتكلم: "سيبك منها يا ابني… دي واحدة—"
قاطعتها نهى بنظرة قوية: "خلي كلامك لنفسك يا طنط… من النهارده مفيش بيني وبينكم أي حاجة."
وسابت القلم… ولفت تمشي.
وأنا… لاول مرة… ما قدرتش أناديها.
كنت واقف مكاني… متسمر… شايف ضهرها وهي بتمشي… ومع كل خطوة كانت بتبعد، كنت حاسس إني أنا اللي بصغر.
المأذون قفل الدفتر وقال بهدوء: "ربنا يعوض عليكم…"
لكن الحقيقة؟
مفيش
عدّى وقت… مش قليل.
البيت بقى هادي… هدوء يخنق.
أمي كانت فاكرة إني هتجوز تاني بسرعة… بس ولا واحدة قدرت تستحمل طباعي… ولا أنا قدرت أستحمل نفسي أصلًا.
كل ما كنت أضحك… افتكر ضحكتها.
كل ما البيت يسكت… أسمع صوت عياطها.
وفي يوم… شفتها بالصدفة.
كانت ماشية… واثقة… مبتسمة… ومعاها أولادنا.
جريت عليهم… قلبي بيدق: "نهى…"
وقفت… بصتلي… بس النظرة دي كانت غريبة… مفيهاش كسر… ولا حب… مجرد… لا شيء.
قلت بسرعة: "أنا غلطت… سامحيني… نرجع… نبدأ من جديد…"
سكتت شوية… وبعدين قالت بهدوء قاتل: "أنا سامحتك فعلًا… عشان أرتاح… بس أرجع؟ لا يا خالد… أنا أخيرًا بقيت مرتاحة من غيرك."
ومسكت إيد ولادها… ومشيت.
وسابتني واقف… نفس الوقفة… بس المرة دي…وقفت مكاني… مش قادر أتحرك.
الكلمة الأخيرة اللي قالتها كانت بتتردد في ودني: "أنا أخيرًا بقيت مرتاحة من غيرك."
الجملة
رجعت البيت يومها… نفس البيت اللي كنت فاكره "مملكتي"… لقيته فاضي… بارد… مفيهوش روح.
أمي كانت قاعدة مستنياني، أول ما دخلت قالت: "ها؟ رجعتها؟ ولا لسه بتدلع؟"
بصيت لها… بس المرة دي نظرتي كانت مختلفة.
قلت بهدوء غريب: "مش هترجع يا أمي."
اتنرفزت وقالت: "يعني إيه مش هترجع؟! ما أنا قايلالك دي هترجع تزحف!"
هزيت راسي وقلت: "لا… دي مش هترجع… وإحنا اللي ضيعناها."
أمي سكتت لحظة… كأنها مش مستوعبة.
وأنا كملت: "أنا كنت فاكر إني بكسرها… بس الحقيقة إني كنت بكسر نفسي… وبخسرها كل يوم وأنا مش واخد بالي."
عدت الأيام… وبقيت أشوف ولادي في مواعيد محددة.
كل مرة كانوا ييجوا… كنت أحاول أعوضهم… ألعب معاهم… أضحك… بس كان دايمًا في حاجة ناقصة.
كانوا يرجعوا يحكوا عن أمهم: "ماما بقت تشتغل يا بابا." "ماما جابتلنا أوضة جديدة." "ماما بتضحك كتير دلوقتي."
كل كلمة
وفي مرة، ابني الصغير سألني: "بابا… إنت زعلت ماما ليه؟"
السؤال كان بسيط… بس ردّه تقيل.
ماعرفتش أجاوب.
بس في اللحظة دي فهمت…
إن الرجولة مش إنك تكسب موقف… ولا إنك تكسر اللي قدامك…
الرجولة إنك تحافظ على اللي بيحبك… قبل ما يفوق ويقرر يعيش من غيرك.
بعدها بمدة… سمعت خبر…
نهى اتقدملها واحد كويس… محترم… ووافقوا عليه.
الخبر نزل عليا زي الصاعقة… بس الغريب؟
إني مازعلتش منها…
زعلت على نفسي.
لأني لأول مرة… أتمنى لها السعادة… حتى لو مش معايا.
وفي يوم الفرح… وقفت بعيد… من غير ما حد ياخد باله.
شفتها… كانت لابسة فستان بسيط… بس كانت أجمل بكتير من يوم جوازنا.
مش عشان الشكل…
عشان كانت مرتاحة.
ابتسمت… ولفيت أمشي.
وأنا ماشي، همست لنفسي: "خسرتك لما افتكرت إنك ملكي… وكسبت درسي لما بقيتي مش ليا."
ومن ساعتها…
اتعلمت أغلى درس في حياتي:
إن القلوب مش بتتملك…
بس عمره ما يرجع زي الأول.