دوقت المرار
أبويا، الغلبان اللي القهر أكله، مقدرش يشوف دموعي. راح عمل الكارثة.. استلف مبلغ كبير بفوائد "ربا" من واحد اسمه "المعلم دحروج"، تاجر سموم في المنطقة اللي ورا القصور. جابلي التابلت، وفرحت بيه يوم واحد بس.. يوم واحد حسيت فيه إني "بنت عز" بجد.
تاني يوم، "المعلم دحروج" جه ومعاه رجالة بوجوه تقطع الخميرة من البيت، بيطلبوا الفلوس بفوائد خيالية. أبويا وقف يترعش، ومع أول كلمة "ماعييش"، هجموا على الملحق، كسروا العفش المتهالك، ونازلوا في أبويا ضرب مبرح قدام عيني. أبويا مكنش مستحمل، قلبه كان خيط دايب من كتر الهم، وجاله جلطة ومات في نفس اللحظة وهو باصص لي بعيون مليانة حسرة وكسرة.. كأنه بيقولي "سامحيني يا بنتي، ده تمن طلبك".
أمي انهارت بصوات هز المنطقة، والتابلت وقع من إيدي اتدشدش مية حتة.. حسيت إن إيدي هي اللي غرقانة بدم أبويا. وفي عز العزا، "شاهيناز" جت وقفت ببرود وقالت لأمي:
— "لمي اللي فاضل من قرفك أنتي وبنتك ويلا بره.. الفيلا دي مش ناقصة نحس وفضايح ومجرمين!"
طردتنا في الشارع في نص الليل، والمطر نازل يغسل وشنا من الدموع. كنت ساندة أمي المريضة اللي رجلها مش شايلاها،
في اللحظة دي، "هنا" الطفلة ماتت، وطلعت مكانها "هنا" تانية خالص، قلبها حجر وعقلها نار. حلفت برحمة أبويا اللي مات مقهور، إن الفيلا دي هتبكي بدل الدموع دم، وإن اللي طردونا حفاة، هيرجعوا يتمنوا بس نظرة رضا منا.
ومرت السنين.. دارت الدوائر والزمن قلب حاله. الفيلا اللي كانت قصر بقى لونها باهت، والديون حاصرتها، والاسم اللي كان بيهز الأرض بقى مهدد بالسجن.
وفجأة.. وقفت عربية سوداء فخمة جداً قدام الباب المتهالك. نزل منها شاب وسيم ببدلة رسمية، وفتح الباب لست لابسة معطف غالي ونظارة سوداء مخبية عيونها. الحارس العجوز جه يطردهم بزهق، لكن الست نزلت النظارة ببطء، وبصت للفيلا بابتسامة ترعب، وقالت جملة خلت ركبه تخبط في بعضها
الست اللي نزلت من العربية دي كانت أنا.. "هنا". بس مش هنا البنت اللي جرجروها من شعرها، أنا بقيت "مدام هنا الألفي"، سيدة الأعمال وشريكة "سليم بيه" حوت الاستيراد والتصدير، الراجل اللي حبني وعرف قصتي وقرر يكون سيفي ودرعي في الدنيا.
الحارس مكنش عارفني
دخلت الصالون اللي انطردت منه وأنا عيلة صغيرة بتبكي. لقيت "شاهيناز" كبرت وعجزت، والهم راسم خطوط الذل على وشها. جوزها مات وسابلها ديون تدوخ، و**"جيهان"** اللي كانت شايفة نفسها ملكة جمال، الزمن كسرها بعد ما جوزها طلقها ورمى عيالها في وشها.
أول ما شافوني ببدلتي الغالية ومجوهراتي، افتكروني جاية "أحن" عليهم بحكم القرابة. "شاهيناز" جريت عليا بدموع التماسيح وقالت: — "هنا حبيبتي! بنت الغالي فتحي.. كنت عارفة إنك أصيلة ومش هتسيبي لحمك ودمك في المحنة دي!" بقلمي نرمين عادل همام
ضحكت ضحكة باردة، ضحكة كان فيها صدى وجع سنين. طلعت من شنطتي "الجلد" عقد البيع وعقود الديون اللي اشتريتها من البنوك واحد ورا التاني، وقولت لها بهدوء قاتل: — "أنا مش جاية أساعد يا شاهيناز هانم.. أنا جاية أرد الدين. فاكرة ليلة المطر والبرد؟ فاكرة لما طردتي أمي المريضة وأبويا ميت ولسه دمه مابردش؟ النهاردة الدور عليكم."
وشهم اتقلب ألوان،
وطيت عليها وهمست في ودنها بكلام زي السم: — "الملحق ده أنا ههده بكرة الصبح، وهعمل مكانه جراج لعربياتي.. أصل ريحة القهر اللي فيه بتخنقني. الشارع واسع يا هانم، والديون اللي عليكم تسكنكم في أضيق حارة في مصر."
خرجوا بشنط بلاستيك والناس بتتفرج عليهم، نفس المنظر اللي شفته وأنا طفلة بس الأدوار اتبدلت. وقفت في "التراس" الواسع، في نفس المكان اللي كانوا بيضحكوا فيه يوم موت أبويا، وشفتهم وهما ماشيين مكسورين.
لأول مرة، حسيت بوجع قلبي اختفى. بصيت للسما وقلت بصوت واطي: — "نام وارتاح يا بابا.. فتحي اللي مات مقهور، بنته رجعت له حقه تالت ومتلت. والفيلا اللي بكتنا دم، النهاردة بتضحك لي أنا."
لفت الأيام ودارت، وبقيت أنا سيدة القصر، وهما بقوا حكاية بتتحكي في الحواري عن "قصر العقارب" اللي أكل أصحابه لما الزمن دار عليهم. انتقامي كان قاسي؟ جايز.
بقلم نرمين عادل همام
تمت