ببعت لأمي بقلم الهواري
صفحة جديدة. بس الحقيقة؟ اللي حصل ده كان مجرد بداية لسلسلة أحداث عمري ما كنت أتخيلها.
الأيام الأولى بعد ما أمي مشيت كانت غريبة البيت هادي، زيادة عن اللزوم. مفيش صوت تعليقاتها، ولا خطواتها، ولا نظراتها التقيلة اللي كانت مالية المكان. هناء بدأت تتحسن شوية، بس الخوف كان لسه ساكن فيها كل مرة أرفع صوتي حتى لو بهزر، كانت بتترعش. كل مرة باب الشقة يخبط، تبص عليه برعب كأنها مستنية حد داخل يعاقبها.
بدأت ألاحظ حاجات تانية حاجات خلتني أحس إني كنت عايش أعمى.
مرة دخلت المطبخ لقيت هناء واقفة بتبص للأكل قبل ما تاكل، كأنها مش مصدقة إنه ليها. تمسك اللقمة وتقعد ثواني قبل ما تاكلها وكأنها بتستأذن حد مش موجود. المنظر ده كان بيوجعني أكتر من أي حاجة.
قررت أودّيها لدكتور نفسي. في الأول رفضت، وقالت أنا كويسة، بس أنا كنت شايف بعيني إنها مش كويسة خالص.
بعد جلسات قليلة، الدكتور طلب يقابلني لوحدي.
قالي بهدوء مراتك اتعرضت لضغط نفسي شديد
سألته وهتخف؟
بص لي وقال هتحتاج وقت ودعم حقيقي. والأهم أمان.
الكلمة دي فضلت ترن في دماغي أمان.
رجعت البيت وأنا مقرر أعمل أي حاجة عشان أعوضها بس كنت متأخر.
لأن في نفس الأسبوع حصل اللي ماكنتش مستعد له.
تليفوني رن رقم أمي.
بصيت للشاشة كتير متردد أرد ولا لأ. في الآخر رديت.
صوتها كان غريب مش نفس النبرة القوية اللي كانت بتتكلم بيها. كانت باينة مكسورة.
أحمد أنا تعبانة.
سكت قلبي اتشد ناحيتها رغم كل اللي حصل.
مالِك؟
قالت بصوت متقطع وقعت ومفيش حد معايا.
قفلت معايا وأنا واقف مش عارف أعمل إيه. دي أمي مهما عملت.
هناء كانت واقفة بتبص لي فهمت من وشي إن في حاجة.
قلت لها أمي تعبانة
سكتت شوية وبعدين قالت حاجة عمري ما كنت أتوقعها
روح لها.
بصيت لها بدهشة بعد كل اللي عملته فيكي؟!
قالت بهدوء موجوع هي أمك وأنا مش عايزة أبقى السبب إنك تندم بعدين.
الكلمة دي هزتني.
روحت لأمي.
لقيتها فعلاً واقعة على الأرض، شكلها تعبان ومفيش حد جنبها. شقتها كانت متبهدلة مفيش أكل، مفيش نظام كأنها فجأة بقت لوحدها بجد.
شلتها ووديتها المستشفى.
الدكتور قال إنها عندها هبوط حاد وسوء تغذية.
وقتها حسيت بحاجة غريبة جدًا.
نفس الحالة اللي كانت هناء فيها.
بصيت لأمي وهي نايمة على السرير وافتكرت كل لحظة جوع كانت بتمر على مراتي، كل مرة كانت بتستخبى تاكل، كل دمعة نزلت منها.
سألت نفسي
هو ده عدل ربنا؟ ولا مجرد صدفة؟
أمي فاقت بعد يومين.
أول ما شافتني عيطت.
سامحني يا ابني
دي أول مرة أسمعها تقولها.
كنت واقف ساكت مش عارف أصدق ولا لأ.
قالت وهي بتبكي أنا غلطت كنت فاكرة إني بحافظ عليك بخليك تفضل ليا لوحدي خفت تاخدك مني
كلامها كان غريب ومؤلم.
بس أنا نسيت إني بكده كنت بخسرك وخسرت نفسي.
سكتت شوية وبعدين قالت
مراتك بنت أصول رغم اللي عملته فيها، هي اللي قالتلك تروحلي صح؟
هزيت راسي.
غمضت عينيها وقالت أنا
خرجت من عندها وأنا تايه بين غضبي القديم وكلامها ودموعها.
رجعت البيت.
هناء كانت مستنياني.
بصت لي وسألت عاملة إيه؟
قولتلها الحقيقة.
سكتت وبعدين قالت بهدوء
ربنا بيوري كل واحد نتيجة أفعاله.
قعدت جنبها لأول مرة من غير حواجز.
قلت لها إنتي أقوى مني.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت أنا بس اتكسرت وبحاول أقف تاني.
الأيام عدت وأمي بدأت تتحسن.
بس المرة دي كل حاجة كانت مختلفة.
ما رجعتش تعيش معانا.
بس كانت بتيجي تزور على استحياء.
وفي أول زيارة ليها حصل موقف عمري ما هنساه.
أمي دخلت شايلة أكل بإيديها أكل بسيط.
وقفت قدام هناء ومدت لها الطبق بإيد بتترعش
سامحيني
هناء بصتلها وسكتت.
لحظة صمت طويلة تقيلة.
وبعدين خدت الطبق.
مش بس كده قالت لها
اقعدي كلي معانا.
في اللحظة دي حسيت إن في حاجة اتغيرت بجد.
مش كل الجروح بتتنسى بس ممكن تتهدى.
ومش كل اللي اتكسر بيرجع زي الأول بس ممكن يتصلح بشكل جديد.
ومن يومها اتعلمت درس عمري ما
إن العدل مش بس إنك تمنع الظلم
العدل إنك تفضل صاحي عشان ما يتكررش.