كانت العامله
الزمن.
اتسعت عيناها قليلًا.
لكنها لم تقل شيئًا.
لم تصرخ
لم تبكِ
فقط نظرت إليه نظرة طويلة، ثم خفضت عينيها مرة أخرى وكأنها لم تره.
قال سليم بصوت خافت
ليلى
توقفت يدها لحظة ثم عادت تنظف الطاولة.
قالت ببرود لم يتوقعه
المطعم للزبائن بس يا فندم لو سمحت ارجع لطاولتك.
شعر وكأن أحدهم ضربه في صدره.
قال بصوت متحشرج
إنتِ بتعملي إيه هنا؟
ضحكت ضحكة قصيرة بلا روح.
شغلي.
ثم رفعت كيس الطعام وقالت
وبجمع العشا.
عبس سليم.
العشا؟
لم تجب.
لكن في تلك اللحظة انفتح باب المطبخ الخلفي قليلًا.
وظهر طفل صغير لا يتجاوز السادسة.
كان نحيفًا بشعر أسود كثيف وعينين داكنتين مألوفتين بشكل مخيف.
وقف الطفل عند الباب
ماما خلصتي؟
تجمّد سليم في مكانه.
قلبه بدأ يخفق بعنف.
اقترب الطفل أكثر
وعندما نظر إلى وجهه جيدًا
شعر سليم أن الأرض انسحبت من تحت قدميه.
لأن الطفل
كان نسخة صغيرة منه.
نفس العينين
نفس الحاجبين
حتى نفس الشامة الصغيرة قرب الأذن.
همس بصوت بالكاد خرج
ده ابنك؟
أغمضت ليلى عينيها لحظة ثم قالت بهدوء متعب
أيوه.
تقدم خطوة أخرى.
كام سنة؟
أجابت دون أن تنظر إليه
خمس سنين.
ارتجفت يد سليم.
خمس سنوات.
خمس سنوات بالضبط منذ أن تركها.
ابتلع ريقه بصعوبة وقال
ليلى هو
قاطعته قبل أن يكمل.
رفعت عينيها نحوه أخيرًا.
وفيهما شيء لم يره من قبل خليط من التعب والمرارة.
قالت بصوت منخفض
أيوه يا سليم ابنك.
ساد
الطفل كان ينظر إليهما بحيرة.
قال الصغير ببراءة
ماما مين ده؟
انحنت ليلى بسرعة ومسحت على شعره.
زبون يا حبيبي.
لكن سليم ركع فجأة أمام الطفل.
نظر في عينيه طويلًا وكأنه يحاول تعويض خمس سنوات ضاعت.
ثم سأل بصوت مكسور
اسمك إيه؟
قال الطفل بخجل
كريم.
ابتسم سليم ابتسامة حزينة.
كريم
الاسم الذي كانا يتفقان عليه دائمًا إن رُزقا بطفل.
رفع عينيه نحو ليلى.
ليه ما قولتيش لي؟
لم تتردد هذه المرة.
قالت بوضوح
لأنك وقتها قلت إنك ما عندكش وقت لعيلة وإن الفلوس أهم.
تذكر تلك الليلة فورًا.
الليلة التي اختار فيها الصفقة الكبيرة بدلها.
خفض رأسه.
لأول مرة منذ سنوات شعر أن كل ثروته لا تساوي
نظر حوله.
المطعم الفاخر الطاولات المضيئة البدلات الغالية
ثم نظر إلى كيس بقايا الطعام في يدها.
مد يده ببطء وأخذ الكيس منها.
قال بصوت ثابت
خلاص.
نظرت إليه بعدم فهم.
فأضاف
كريم مش هياكل بواقي تاني.
ثم وقف ونادى مدير المطعم بصوت حاد جعل القاعة كلها تلتفت.
الحساب وإلغاء الاجتماع.
اقترب الشركاء بارتباك.
قال أحدهم
الصفقة بالملايين يا سليم!
نظر إليهم ببرود.
ثم أشار إلى الطفل.
وقال الجملة التي صدمت الجميع
وأنا كنت هخسر اللي أهم منها بكتير.
ثم التفت إلى ليلى وقال بهدوء
تعالي إحنا لازم نتكلم.
لكن ليلى لم تتحرك.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت جملة واحدة جعلته يفهم أن الطريق لن يكون سهلًا
الكلام مش بيرجع خمس سنين يا سليم.
لكن كريم كان قد أمسك إصبع سليم الصغير بيده.
وقال ببراءة
بابا؟