كانت العامله
كانت العاملة تجمع بقايا الطعام من المطعم لكن المليونير تبعها اكتشف شيئًا صادمًا.
أوقف سليم الجمال كأسه قبل أن تلامس شفتيه بلحظات.
انقطع نَفَسه فجأة.
الضجيج الخافت في أفخم مطعم في القاهرة الجديدة اختفى تمامًا من ذهنه، وكأن صوتًا حادًا ملأ رأسه وجمّد الدم في عروقه.
أمام عينيه وعلى بعد ثلاث طاولات فقط كان هناك شبح من الماضي....كان شركاؤه الأجانب يتحدثون بحماس عن صفقة استثمارية في مجال الأدوية بملايين الجنيهات.
المحامي يلوّح بملفات ويشرح نسب الأرباح.
لكن سليم لم يكن يسمع كلمة واحدة.
عيناه الداكنتان، اللتان اعتاد الناس أن يروهما باردتين، كانتا مثبتتين على ركن صغير قرب مكان جمع الأطباق المتسخة حيث يلقي النُدُل الصحون بعد انتهاء الزبائن.
هناك كانت ليلى.
رمش سليم بقوة، معتقدًا أن الإرهاق يلعب بعقله لكن لا.
كانت هي فعلًا.
نفس المرأة التي تركها قبل خمس سنوات.
نفس المرأة
لكن المرأة التي يراها الآن لا تشبه الصورة التي ظلت تطارده في لياليه الطويلة.
كانت ترتدي زيًا طبيًا أزرق باهتًا قديمًا ومهترئًا من كثرة الغسيل.
وفوقه مريلة مطعم سوداء ملطخة ببقع الزيت والصلصات.
شعرها مرفوع بسرعة في ذيل حصان بسيط.
أما يداها اللتان كانتا يومًا ناعمتين ودقيقتين وهي تعالج الجروح فكانتا الآن داخل قفازات مطاطية صفراء سميكة متشققة من كثرة الاستعمال.
شعر سليم بصدمة تضرب معدته بقوة.
راقبها تتحرك بسرعة متوترة وكأنها تخشى أن يراها أحد.
لم تكن تنظف الطاولات فقط
كانت تجمع بقايا الطعام بحركات سريعة ومدروسة حتى لا يلاحظها مدير المطعم.
كانت تكشط ما تبقى في الأطباق الفاخرة
قطع سلمون نصف مأكولة أرغفة خبز لم تُلمس وبقايا أرز بالكريمة.
كل ذلك كانت تضعه بسرعة داخل
قال المحامي فجأة وهو يقاطعه
أستاذ سليم هل توافق على بند الحصرية؟
لكن سليم لم يرد.
لم يحرك عينيه حتى.
رأى نادلًا ببدلة أنيقة يمر بجوار ليلى فاصطدم بها بكتفه.
قال لها بحدة
ابعدي من الطريق يا زبالة لو المدير شافك بتفتشي في بواقي الأكل تاني هيرفدك النهارده.
الملياردير الذي اعتاد أن يسقط شركات كاملة بمكالمة هاتفية واحدة شعر فجأة أن الهواء لم يعد يكفيه.
انتظر أن ترفع رأسها.
انتظر أن يظهر ذلك الغضب الذي كان يعرفه فيها.
انتظر أن تصرخ أو تدافع عن نفسها.
لكنها لم تفعل.
خفضت ليلى رأسها.
انكمش كتفاها في صمت وكأن الحياة كسرتها.
وقالت بصوت خافت بالكاد يُسمع
آسفة
ثم أمسكت الكيس البلاستيكي الممتلئ ببقايا الطعام بقوة وعادت تمسح الطاولة بقطعة قماش متسخة.
ذلك المشهد كسر شيئًا داخل سليم.
الذنب الذي دفنه لسنوات تحت طبقات من
قال أحد الشركاء الأجانب بلهجة منزعجة
أستاذ سليم هل ما زلت معنا؟
لكن سليم لم يكن معهم أصلًا.... كان.
لم يكن سليم يسمع شيئًا مما يدور حول الطاولة.
الكلمات عن الملايين والاستثمار ونِسب الأرباح كانت تصل إلى أذنيه كضجيج بعيد.
كل ما كان يراه هو ليلى.
ليلى التي كانت يومًا تقف في غرفة الطوارئ بثقة، تأمر الأطباء وتطمئن المرضى
ليلى التي كانت تقول له دائمًا
الإنسان قيمته مش بفلوسه يا سليم.
ابتلع ريقه ببطء.
ثم نهض فجأة.
توقف الحديث حول الطاولة.
قال المحامي بدهشة
أستاذ سليم؟ الاجتماع لسه مخلصش.
لكن سليم كان قد بدأ بالفعل يسير نحو ركن الأطباق المتسخة.
كل خطوة كانت ثقيلة كأنها تقوده إلى مواجهة هرب منها خمس سنوات.
كانت ليلى منهمكة في جمع الصحون عندما شعرت بظل يقف أمامها.
قالت دون أن ترفع رأسها
سيب الأطباق هنا
ثم رفعت عينيها.
وفي اللحظة التي التقت فيها نظراتهما
تجمّد