بابا
"سنرحل الآن. ارتدِ حذاءك. لا أسئلة. ابقَ قريباً مني."
نهض "مايكا" بسرعة كبيرة لدرجة أنه كاد يفقد توازنه.
"هل هي نائمة؟"
بلع "روان" ريقه قبل أن يجيب.
"إنها مريضة يا صديقي. سنذهب لطلب المساعدة."
بينما كان يحمل "إلسي" نحو الباب، لمح عينا "روان" المطبخ، والمشهد الذي سيتكرر لاحقاً في ذاكرته بوضوح مؤلم.
صندوق حبوب فارغ مفتوح على المنضدة.
الحوض كان مليئاً بالأطباق.
داخل الثلاجة لم يكن هناك سوى زجاجة كاتشب نصف فارغة. لا حليب. لا فاكهة. لا بقايا طعام. لا شيء يمكن لطفل في السادسة من عمره استخدامه لإطعام نفسه أو أخته الصغيرة.
بجانب الحوض كان هناك كوب بلاستيكي صغير به عصير جاف عالق في قاعه.
أجبر "روان" نفسه على
وحمل.....
كان "روان" يقود السيارة بيدٍ ويراقب تنفّس "إلسي" بيدٍ أخرى وكأن كل ثانية قد تغيّر مصيرها. جلس "مايكا" في المقعد الخلفي، صامتاً بشكل غير طبيعي لطفل في السادسة من عمره، يضمّ حذاءه بيديه وكأنه يخاف أن يختفي هو أيضاً.
لم يكن الطريق إلى المستشفى طويلاً… لكنه بدا أطول رحلة عاشها "روان" في حياته.
كل إشارة مرور كانت تبدو كعدو.
كل سيارة أمامه كانت تبدو كعائق بينه وبين إنقاذ طفلته.
كان يكرر بصوت منخفض:
"اصمدي يا إلسي… بابا هنا."
في قسم الطوارئ
ما إن دخل المستشفى حتى اندفع الأطباء والممرضون نحوه عندما رأوا الطفلة بين ذراعيه.
"حرارتها مرتفعة جداً!" قالت الممرضة وهي تلمس جبينها.
"منذ متى وهي
هز "روان" رأسه مرتبكاً:
"لا أعلم… ابني اتصل بي قبل نصف ساعة فقط."
حملها الأطباء بسرعة إلى غرفة الطوارئ، بينما جلس "مايكا" بجانب والده في الممر، ممسكاً بيده بقوة.
بعد دقائق بدت كأنها ساعات، خرج الطبيب.
كان وجهه جاداً لكنه ليس مرعباً.
قال بهدوء:
"الطفلة تعاني من جفاف شديد وحمى مرتفعة… يبدو أنها لم تأكل أو تشرب بشكل كافٍ منذ أيام."
شعر "روان" كأن شيئاً ثقيلاً سقط في صدره.
"هل ستكون بخير؟"
أجاب الطبيب:
"وصلتم في الوقت المناسب."
تنفّس "روان" لأول مرة منذ تلك المكالمة.
لكن الطبيب لم ينتهِ بعد.
خفض صوته قليلاً وقال:
"هناك سؤال مهم… أين والدتهم؟"
نظر "روان" إلى الأرض للحظة.
"كنت أظن أنها معهم في المنزل."
تبادل
ثم قال جملة جعلت الدم يبرد في عروق "روان":
"وصلتنا قبل ساعة حالة في هذا المستشفى… امرأة تعرضت لانهيار شديد في أحد الشوارع القريبة."
رفع "روان" رأسه بسرعة.
"اسمها… ديلاني ميرسر."
تجمّد "روان".
"ماذا حدث لها؟"
تنهد الطبيب قبل أن يجيب:
"وجدها أحد المارة فاقدة الوعي قرب محطة الحافلات… يبدو أنها كانت تحاول السفر."
توقف قليلاً ثم أضاف:
"وكانت تحمل حقيبة واحدة فقط."
شعر "روان" بأن العالم توقف حوله.
الأطفال… تُركوا وحدهم ثلاثة أيام.
وديلاني… كانت تحاول الرحيل.
لكن الحقيقة التي ستغيّر كل شيء لم تظهر بعد.
لأن الشرطة وصلت بعد دقائق فقط…
وكان لديهم سؤال واحد:
"السيد ميرسر… هل تعلم أن زوجتك تركت رسالة
والرسالة…
كانت تحتوي على سر لم يتوقعه أحد.