هو طلقني
الجمعة الصبح، مضينا البيع عند الموثق.
الزوجين كانوا طايرين من الفرحة.
اتقري العقد.
اتأكد.
مضينا.
التحويل وصل حسابي.
خافيير ما كانش موجود، ممثل قانوني مضى بداله بعد ما خسر ورفض.
كان حاول يوقف كل حاجة…
بس القانون ما يعرفش غروره.
الظهر، سيبت المفاتيح على رخامة المطبخ.
ما بقتش مفاتيحي.
ولا مطبخي.
قفلت الباب بالنسخة اللي طلبت الشركة أسيبها لصحاب البيت الجداد.
العصر، ركبت قطار AVE لڤالنسيا، بشنطة وظهرية.
كنت مأجرة شقة صغيرة في روزافا، دافعة ست شهور مقدم.
ما حدش هناك يعرف خافيير.
ولا لوسيا.
ولا مارتا اللي "ما بقتش مرِحة".
الساعة ١١ بالليل، وأنا بفك هدومي في أوضتي الجديدة، موبايلي بدأ يرن بلا توقف.
مكالمات ضايعة من خافيير.
رسائل.
صور.
صورة واحدة خلتني أبتسم:
هو ولوسيا واقفين قدام
قدام قفل جديد.
وجرس عليه اسم تاني.
"إنتِ عملتي إيه يا مارتا؟؟"
اللي خافيير هيكتشفه في الساعات الجاية…
مش بس هيغير ليلته…
ده هيغير حياته كلها.فضل موبايلِي يرن…
كأن الرنين نفسه مذعور.
رسائل ورا رسائل من خافيير:
"إنتِ مجنونة؟"
"افتحي الباب فورًا."
"إنتِ ما تقدريش تعملي كده."
"البيت ده بيتي!"
وبعدها بدقيقة… رسالة أطول:
"المحامي بيقول إن الشقة اتباعت.
ده تهريج صح؟
قولي إن ده تهريج."
ابتسمت…
وأنا قاعدة على الأرض وسط الشنط المفتوحة،
هدومي متكومة حواليّ،
وشباك أوضتي الجديدة في ڤالنسيا داخل منه هواء دافي.
ما رديتش.
خليته يستوعب لوحده.
بعد نص ساعة، بعت تسجيل صوتي.
صوته كان مختلف.
مش صوت الراجل الواثق اللي كان بيقولّي "البيت ليا".
كان صوت واحد… الأرض بتتزحلق من تحته.
"
أكيد في غلط.
إنتِ بعتي نصك بس… صح؟
يعني… يعني إحنا لسه عايشين هنا… صح؟"
سكت ثانيتين…
وبعدين لوسيا ظهرت في الخلفية، صوتها عالي ومرعوب:
"خافيير! هم بيقولوا لازم نطلع حالًا!
في ناس برا ومعاهم أوراق!"
صوت خبط على الباب في التسجيل.
حد بيقول بلهجة رسمية:
"مساء الخير، إحنا المُلّاك الجدد.
معانا عقد الملكية.
لازم تستلموا حاجتكم النهارده."
وقتها…
خافيير رجع يكلمني، صوته بقى حاد:
"مارتا! إنتِ اتجننتي؟
إزاي تبيعي البيت كله؟
إزاي من غير ما تقولي؟"
وقفت قدام المراية في الشقة الجديدة.
بصّيت لنفسي كويس.
ست عندها خمسين سنة.
تعبت… آه.
لكن مش مكسورة.
أول مرة من سنين… حسّيت إن صوتي ملكي.
بعِتّله رسالة واحدة بس:
"زي ما قلتلي:
أنا ما بقيتش مناسبة لحياتك.
فالبيت كمان ما بقاش مناسب ليك.
ثواني…
واتصل فورًا.
ردّيت.
كان بيتنفس بسرعة.
"إنتِ دمّرتي حياتي!"
صرخ.
قلت بهدوء:
"لا يا خافيير.
أنا بس خرجت من حياتك."
سكت لحظة…
واضح إنه ما كانش متخيل إني ممكن أتكلم كده.
"إحنا في الشارع دلوقتي!"
قالها، والصوت مكسور.
بصّيت حواليا:
حيطة بيضا.
شباك مفتوح.
هدوء.
قلت:
"غريبة.
الإحساس ده أنا عرفاه كويس."
ما ردّش.
يمكن لأنه فهم.
يمكن لأنه أول مرة يحس باللي عمله.
قفلت المكالمة.
وحطيته على صامت.
في اليوم التالي، صحيت بدري.
عملت قهوة.
وقعدت في البلكونة الصغيرة.
الشارع في روزافا كان مليان ناس غريبة عني.
ولا حد يعرفني.
ولا حد يعرف قصتي.
وده كان أجمل إحساس.
فتحت بريدي الإلكتروني.
رسالة من إيزابيل:
"تم تحويل باقي المستحقات.
انتهى كل شيء رسميًا.
فخورة بيكِ."
ردّيت:
"أنا كمان."
قفلت اللاب
وشربت آخر رشفة قهوة.
لأول مرة من سنين…
ما كانش عندي بيت كبير.
لكن كان عندي نفسي.
والمرة دي…
ما حدش يقدر يخرجني منها.