كانت مرات أخويا
المحتويات
وأنا بدأت أحس إني كنت مكبرة الموضوع أكتر من اللازم.
لحد ليلة مطر غريبة.
صحيت على صوت صرخة مكتومة.
قمت مفزوعة من السرير، ولقيت نهى واقفة في آخر الممر، وشها أبيض كالجير، وبتبص ناحية السلم.
في إيه؟!
رفعت إيدها المرتعشة وأشارت لتحت.
شوفتها...
شوفتي مين؟
بلعت ريقها بصعوبة وقالت
الست اللي فوق السطوح.
حسيت قلبي وقع.
ماما؟
هزت راسها بسرعة.
لا... مش ماما.
نزلنا السلم جري.
أمي كانت نايمة في أوضتها فعلًا.
يعني الشخص اللي شافته نهى مش أمي.
ساعتها لأول مرة رجع الخوف الحقيقي للبيت.
في الصباح فتشنا السطوح من أوله لآخره.
مفيش حد.
لكن وأنا بنضف الركن القديم جنب غرفة التخزين، لفت نظري صندوق خشب صغير متغطي بطبقة تراب سميكة.
الصندوق كان مقفول بقفل صدئ.
تامر كسره بمفك.
وأول ما الغطا اتفتح...
لقينا جوه عشرات الصور القديمة.
صور لأبويا.
وصور لأمي.
وصور لناس عمرنا ما شوفناهم.
لكن الصورة الأخيرة هي اللي خلتنا نتجمد.
كانت صورة لست واقفة قدام البيت.
نفس ملامح الست اللي نهى وصفتها بالضبط.
ونفس الشال الرمادي اللي قالت إنها شافته ليلة أمس.
قلبت الصورة بسرعة.
وكان مكتوب وراها بخط قديم
إلى أخي العزيز محمود... سأعود يومًا لأخذ حقي.
رفع تامر عينه ناحيتي بصدمة.
محمود ده اسم أبويا.
سكتنا كلنا.
مين الست دي؟
وإيه الحق اللي كانت بتتكلم عنه؟
وليه صورتها كانت مخبية في صندوق فوق السطوح من أكتر من ثلاثين سنة؟
قبل ما حد يجاوب...
سمعنا صوت ارتطام قوي جاي من أوضة أمي.
جرينا ناحية الصوت.
فتحنا الباب.
فلقينا أمي قاعدة على السرير، ماسكة صورة قديمة في إيدها، وبتبكي لأول مرة من سنين.
ولما شافت الصورة اللي معانا، شهقت وقالت
لا... مستحيل!
تعرفيها يا ماما؟
أغمضت عينيها وقالت بصوت مكسور
كنت بدعي السر ده يفضل مدفون للأبد.
ثم رفعت رأسها وأضافت
الست دي... تبقى أخت أبوكم. واللي حصل زمان كان السبب في إنها تختفي من البلد كلها في ليلة واحدة.
في اللحظة دي، عرفنا إن الحكاية الحقيقية لسه ما بدأتش...! نهى طلعت السلم قدامي بخطوات سريعة، وأنا وراها وقلبي بيدق كأنه هيكسر ضلوعي. كان الليل ساكت بشكل مرعب، والسطوح غرقان في ضوء القمر الباهت.
أول ما وصلنا، بصت حواليها أكتر من مرة، واتأكدت إن مفيش حد، وبعدين قالت بصوت مرتعش
اللي كان واقف برة الأوضة امبارح... مش أول مرة ييجي.
شهقت وأنا بصيت لها يعني إيه؟
دموعها نزلت فجأة.
من أول يوم جيت البيت هنا وأنا حاسة إن حد بيراقبني.
اتسمرت مكاني.
مين؟
هزت راسها معرفش... والله معرفش.
حكتلي إنها كانت كل ليلة تسمع خطوات في الممر بعد ما الكل ينام. وفي مرة صحيت لقت باب أوضتها مفتوح شبر وهي متأكدة إنها قفلته قبل النوم.
وفي ليلة تانية لقت الشباك مفتوح.
ولما اشتكت لتامر، ضحك وقال إنها متوترة بسبب الجواز الجديد.
أما أمها وحماتها فقالوا إنها أوهام.
ولما محدش صدقني... بقيت أهرب لأنام عندك.
سكتت لحظة ثم قالت
كنت بحس إن طول ما أنا بينك وبين مصطفى محدش هيقدر يقرب مني.
في اللحظة دي سمعنا صوت خبط خفيف جاي من ناحية غرفة السطح القديمة.
خبطتين.
وبعدين خبطة تالتة.
بصينا لبعض، والدم هرب من وشوشنا.
الغرفة دي مقفولة من سنين.
نزلت نهى دموعها وهمست
هو ده الصوت... نفس الصوت اللي بسمعه كل ليلة.
مسكت إيدها ونزلنا ناحية الباب بحذر.
كل خطوة كانت أتقل من اللي قبلها.
ولما قربنا...
لقينا الباب بيتحرك لوحده ببطء.
صرخت نهى واتعلقت في دراعي.
لكن قبل ما نهرب، خرج صوت ضعيف من جوه
الحقوني...
تجمدت مكاني.
الصوت كان صوت ست كبيرة.
فتحت الباب بسرعة، فلقينا المفاجأة اللي محدش كان يتخيلها.
كانت أمي!
قاعدة
جريت عليها وأنا مصدومة
ماما! بتعملي إيه هنا؟
بصت لنا بخجل شديد وقالت
كنت مخبية عليكم حاجة.
اتضح إن أمي من شهور بدأت تعاني من نوبات مشي أثناء النوم بعد وفاة أبي، وكانت بتطلع السطوح من غير ما تحس.
ولما تصحى وتلاقي نفسها هناك، تنزل تاني من غير ما تفتكر أي حاجة.
أما الليلة اللي شوفنا فيها النور تحت الباب، فكانت هي واقفة فعلًا في الممر وهي نايمة بعينيها المفتوحتين.
نهى كانت شافتها أكتر من مرة، لكن خافت تقول لحد لأن شكلها كان مرعب جدًا.
وفي مرة حاولت تصحيها، فأمي فتحت عينيها وبصتلها من غير ما ترد، فخافت نهى وظنت أن هناك شخصًا يطاردها داخل البيت.
بعدها كانت كل ليلة تهرب إلى أوضتي طلبًا للأمان.
في الصباح أخذنا أمي إلى طبيب متخصص، وبعد الفحوصات عرفنا حقيقة الأمر وبدأت العلاج.
وبعد أسابيع اختفت الأصوات، واختفت الخطوات في الممر، وعادت نهى تنام في أوضتها من جديد.
أما أنا فكلما تذكرت الليالي التي كانت تنام فيها بيني وبين مصطفى، أضحك وأقول لها
يا ستي، خوفّتينا وخلّيتينا نشك في البيت كله!
فتضحك وهي تمسح دموعها وترد
والله كنت فاكرة سر أسود هيهد الدنيا... طلع مجرد خوف وسوء فهم.
ومن يومها عرفنا أن بعض الأسرار المخيفة لا يكون وراءها شرير... بل إنسان محتاج من يفهمه ويساعده قبل أن يحكم عليه الجميع. لكن الحقيقة...
مكنتش دي نهاية الحكاية.
بعد ما بدأ علاج أمي، البيت هدي فعلًا أسبوعين كاملين. نهى رجعت تنام في أوضتها، وتامر رجع يضحك ويهزر، وأنا بدأت أحس إني كنت مكبرة الموضوع أكتر من اللازم.
لحد ليلة مطر غريبة.
صحيت على صوت صرخة مكتومة.
قمت مفزوعة من السرير، ولقيت نهى واقفة في آخر الممر، وشها أبيض كالجير، وبتبص ناحية السلم.
في إيه؟!
رفعت إيدها المرتعشة
شوفتها...
شوفتي مين؟
بلعت ريقها بصعوبة وقالت
الست اللي فوق السطوح.
حسيت قلبي وقع.
ماما؟
هزت راسها بسرعة.
لا... مش ماما.
نزلنا السلم جري.
أمي كانت نايمة في أوضتها فعلًا.
يعني الشخص اللي شافته نهى مش أمي.
ساعتها لأول مرة رجع الخوف الحقيقي للبيت.
في الصباح فتشنا السطوح من أوله لآخره.
مفيش حد.
لكن وأنا بنضف الركن القديم جنب غرفة التخزين، لفت نظري صندوق خشب صغير متغطي بطبقة تراب سميكة.
الصندوق كان مقفول بقفل صدئ.
تامر كسره بمفك.
وأول ما الغطا اتفتح...
لقينا جوه عشرات الصور القديمة.
صور لأبويا.
وصور لأمي.
وصور لناس عمرنا ما شوفناهم.
لكن الصورة الأخيرة هي اللي خلتنا نتجمد.
كانت صورة لست واقفة قدام البيت.
نفس ملامح الست اللي نهى وصفتها بالضبط.
ونفس الشال الرمادي اللي قالت إنها شافته ليلة أمس.
قلبت الصورة بسرعة.
وكان مكتوب وراها بخط قديم
إلى أخي العزيز محمود... سأعود يومًا لأخذ حقي.
رفع تامر عينه ناحيتي بصدمة.
محمود ده اسم أبويا.
سكتنا كلنا.
مين الست دي؟
وإيه الحق اللي كانت بتتكلم عنه؟
وليه صورتها كانت مخبية في صندوق فوق السطوح من أكتر من ثلاثين سنة؟
قبل ما حد يجاوب...
سمعنا صوت ارتطام قوي جاي من أوضة أمي.
جرينا ناحية الصوت.
فتحنا الباب.
فلقينا أمي قاعدة على السرير، ماسكة صورة قديمة في إيدها، وبتبكي لأول مرة من سنين.
ولما شافت الصورة اللي معانا، شهقت وقالت
لا... مستحيل!
تعرفيها يا ماما؟
أغمضت عينيها وقالت بصوت مكسور
كنت بدعي السر ده يفضل مدفون للأبد...
ثم رفعت رأسها وأضافت
الست دي... تبقى أخت أبوكم. واللي حصل زمان كان السبب في إنها تختفي من البلد كلها في ليلة واحدة.
في اللحظة دي، عرفنا إن الحكاية الحقيقية لسه ما بدأتش...! سكت البيت كله.
حتى صوت المطر اللي كان
أمي كانت ماسكة الصورة بإيد بترتعش، وعينيها غرقانة دموع.
قلت بسرعة
يعني إيه أخت بابا؟! إحنا عمرنا ما سمعنا إن ليه أخت!
تنهدت أمي
متابعة القراءة