عندما كسر زوجي
عندما كسر زوجي أضلعي وغادر البيت وهو يغلق الباب خلفه، أمسك ابني البالغ من العمر خمس سنوات هاتفي وأجرى المكالمة التي كنت أنا أعجز عن إجرائها. قال بصوت صغير لهذا السبب يوجد جدي. ثم ارتجف صوته وهو يهمس جدي... تعال بسرعة. ماما لا تستطيع التنفس.
الرجل الذي تسبب في كسر أضلاع زوجته عاد إلى البيت بعد أربع عشرة دقيقة فقط، لكنه لم يعد نادمًا... بل عاد لأن ابنه الصغير اتصل بالجد.
الضربة الأخيرة لم تكن كما في الأفلام.
لم تكن هناك موسيقى.
لم تكن هناك صرخات طويلة.
ولم يكن هناك مشهد واضح يستطيع أحد أن يوقفه في الوقت المناسب.
كل ما سُمع كان صوت ارتطام قاسٍ بحافة مطبخ رخامية، ثم شهقة سارة وهي تسقط على أرض المطبخ الباردة، وبكاء خافت لطفلها علي الذي كان يقف حافي القدمين قرب الثلاجة، يحتضن ديناصورًا أخضر مكسور الساق.
كان البيت في حي هادئ من أحياء بغداد، من تلك الأحياء التي يعرف فيها الجيران أخبار بعضهم، ويتبادلون التحية كل صباح، ويعتقد الجميع أنهم يعرفون من يعيش مرتاحًا ومن يعاني.
من الخارج كانت عائلة سارة تبدو مثالية.
زوج يقود سيارة دفع رباعي بيضاء.
طفل في روضة أهلية جيدة.
ستائر نظيفة.
أصص ورد مصطفة أمام الباب.
وغداء كل يوم جمعة في بيت الحماة.
أما من الداخل...
فكان حيدر يحاسب على كل دينار وكأن سارة سارقة.
في تلك الليلة بدأ كل شيء بسبب مبلغ مليون وتسعمئة ألف دينار تقريبًا كانت سارة تخبئه في حساب مصرفي صغير باسمها.
لم يكن مبلغًا كبيرًا.
بل مالًا جمعته خلال أشهر طويلة من بقايا مصروف البيت، وأجور بسيطة كانت تحصل عليها مقابل تعديل فساتين بعض الجارات، إضافة إلى هدية مالية أعطتها لها أختها في العيد.
وجد حيدر تطبيق المصرف مفتوحًا على هاتفها.
قال بحدة
لماذا تحتاجين مالًا خاصًا بك؟
كانت سارة جالسة إلى الطاولة وبجانبها
شعرت فجأة أن الدم انسحب من وجهها.
قالت
للطوارئ.
رفع حاجبيه.
طوارئ؟ أم أنك تدخرينه لتأخذي ابني وتهربي؟
توقف علي عن التلوين في غرفة الجلوس.
نظرت سارة نحوه.
وكانت تلك النظرة وحدها كافية لإشعال غضب حيدر أكثر.
كان يكره أن تحمي الطفل قبل أن تجيبه.
ويكره أي شيء يجعله يبدو أقل سيطرة على كل شيء.
همست
لا تبدأ... علي موجود.
ابتسم حيدر ابتسامة باردة.
لهذا السبب بالذات. دعيه يتعلم كيف تُدار الأمور في هذا البيت.
سقط الكرسي أولًا.
ثم جاءت الدفعة.
حاولت سارة أن تمسك نفسها بحافة المطبخ.
لكن الرخام ارتطم أسفل صدرها بقوة سلبتها الهواء.
وعندما أمسكها حيدر من ذراعها محاولًا رفعها، انزلقت قدمها، فاصطدمت مرة أخرى بزاوية المطبخ.
وفي تلك اللحظة شعرت أن شيئًا داخل جانبها قد انكسر.
صرخ علي
بابا... لا!
تجمد حيدر في مكانه.
كان يتنفس بعنف.
ولثانية واحدة ظنت سارة أنها رأت الخوف في عينيه.
لكن ذلك لم يكن خوفًا عليها.
بل كان حسابات.
كان يقيس حجم الضرر.
ويفكر فيما يستطيع تبريره.
وما يستطيع إنكاره.
وما يستطيع إخفاءه.
قال ببرود
نظفي نفسك.
ثم أشار إلى الطفل.
وعلّمي هذا الولد ألا يتدخل فيما لا يعنيه.
أخذ مفاتيح سيارة سارة المعلقة قرب الباب وخرج.
انطلقت السيارة بعنف.
وتناثرت الحصى على البوابة الحديدية.
ثم...
عمّ الصمت البيت.
كانت سارة ممددة على جانبها.
وإحدى يديها تضغط على أضلاعها.
كل محاولة للتنفس كانت كأن إبرة حادة تغرس في صدرها.
لم تستطع البكاء.
لم تستطع الصراخ.
كل ما استطاعت سماعه كان أزيز الثلاجة وصوت تقاطر الماء من حنفية المطبخ غير المغلقة جيدًا.
اقترب علي ببطء.
لم يبكِ أولًا.
بل استمع.
استمع إن كانت السيارة ستعود.
استمع إلى أنفاس أمه المتكسرة.
استمع إلى صمت البيت الكبير.
ثم انحنى.
التقط هاتف سارة
وأمسكه بكلتا يديه كما لو كان يحمل شيئًا مقدسًا.
همس
لهذا السبب يوجد جدي.
أرادت سارة أن تمنعه.
أرادت أن تحميه من الغضب الذي قد تسببه تلك المكالمة.
لكن صوتها لم يخرج.
بحث علي عن جهة الاتصال التي تحمل رمز القبعة.
فقد كانت سارة تحفظ رقم والدها باسم
أبي
أجاب الجد من الرنة الثانية.
سارة؟
ابتلع علي ريقه.
وقال
جدي... تعال بسرعة. ماما لا تستطيع التنفس.
وفي الجهة الأخرى تغيّر صوت الحاج أبو أحمد فورًا.
علي... هل تنزف أمك؟
انحنى الطفل فوق أمه بجدية لا تناسب عمره الصغير.
وقال
لا... لكنها تبدو مكسورة.
أغمضت سارة عينيها.
مكسورة.
كانت تلك الكلمة هي الحقيقة التي أخفتها سبع سنوات كاملة خلف عبارات مثل
التعب.
الضغط.
سوء الحظ.
الزواج الصعب.
وحيدر فقط عصبي قليلًا.
قال الجد
ضع الهاتف قرب فمها. ولا تبتعد عنها.
أطاعه علي فورًا.
قال الجد بصوت ثابت رغم ارتجافه
ابنتي... لا تتحركي. أنا قادم الآن. وسأتصل بالإسعاف أيضًا. إذا كان حيدر هو من فعل هذا، فاطرقي الأرض مرة واحدة.
حركت سارة يدها.
وطرقت البلاط مرة واحدة.
أصبح تنفس الجد أثقل.
ثم قال
علي... اذهب وافتح قفل الباب. وبعدها ارجع مباشرة إلى أمك. لا تخرج إلى الخارج.
ركض الطفل.
وسُمع صوت السلسلة الحديدية.
ثم المزلاج.
ثم الباب وهو ينفتح قليلًا.
وفي تلك اللحظة...
عاد هدير السيارة من الخارج من جديد.
الجزء الثاني.. لم يكن أحد يعلم أن عودة حيدر إلى البيت ستغيّر مجرى تلك الليلة بالكامل
عاد صوت السيارة يقترب أكثر ثم توقف فجأة أمام الباب.
لم تتحرك سارة.
لم تعد تملك حتى القدرة على الخوف الخوف نفسه أصبح مؤلمًا في صدرها المكسور.
كان علي واقف عند الباب نصف المفتوح، ماسك الحافة الصغيرة بيدين ترتجفان، وكأنه لو تركها سيسقط العالم كله.
الهواء في البيت تغيّر.
كأن
ثم
انفتح الباب بعنف.
دخل حيدر.
لكن هذه المرة لم يكن وحده.
كان معه صمت غريب.
وصمت أحيانًا أخطر من الصراخ.
تجمد في مكانه عندما رأى سارة على الأرض.
نظرة واحدة فقط كانت كافية ليعرف أن الأمر خرج عن السيطرة.
لكن قبل أن ينطق بكلمة
رن هاتفه.
نظر له ببطء.
رقم أبو أحمد كان ظاهرًا على الشاشة.
رفع حيدر عينيه نحو سارة.
ثم نحو الطفل.
ثم قال بصوت منخفض جدًا
هو اتصل؟
لم يرد أحد.
لكن علي خطا خطوة صغيرة للخلف.
وهنا فقط فهم حيدر أن اللعبة انتهت بشكل مختلف هذه المرة.
رد على الهاتف.
أيوه يا حاج
صوت الجد كان كالسيف
اقفل الباب عليك كويس. الشرطة في الطريق. ولو لمست بنتي مرة تانية أنت هتشوف اللي عمرك ما شوفته.
صمت.
ليس من الطرف الآخر بل من حيدر نفسه.
لأول مرة.
لم يجد ردًا سريعًا.
نظر إلى سارة مرة أخرى وكأنه يحاول إعادة ترتيب الحقيقة في رأسه.
لكن الحقيقة كانت واضحة
الطفل اتصل.
والباب اتفتح.
والصوت وصل.
وفي الخارج بدأت أصوات بعيدة تقترب بسرعة.
صفارات.
ليست واحدة.
بل أكثر من واحدة.
حيدر خطا خطوة للخلف.
ثم التفت نحو الباب وكأنه لأول مرة يرى طريق الهروب لا طريق السيطرة.
لكن علي
كان واقفًا بينه وبين الممر.
طفل صغير.
بقدمين حافيتين.
وعينين لا تعرفان الخوف كما يجب أن تعرفه.
وقال بصوت خافت
ما تلمسش ماما تاني
توقف حيدر.
لثانية واحدة فقط
لكنها كانت كافية لتغيير كل شيء.
لأن تلك الثانية
كانت أول مرة لا يقرر فيها ماذا سيحدث بعد ذلك صمت البيت كان أثقل من أي صوت.
صفارات الشرطة كانت تقترب بسرعة وكل ثانية كانت تقطع الأعصاب أكثر من اللي قبلها.
حيدر ما تحركش.
لكن عينيه كانت بتلف في المكان كأنه بيدوّر على مخرج، أو حل، أو كذبة ينقذ بيها نفسه.
سارة كانت على الأرض نفسها متقطع لكنها لأول مرة ما كانتش لوحدها.
كان علي
وفي اللحظة دي
اتفتح باب الشقة بقوة تانية.
لكن المرة دي مش حيدر.
كان الجد.
دخل بسرعة، عينيه على الأرض مباشرة على ابنته.
ثواني واحدة.
وبعدين اتغير كل