كنت فاكرة
المحتويات
خلص.
ثم أشار لأحد الرجال.
فطلع حقيبة معدنية صغيرة.
فتحها.
كان جواها ملف أصفر قديم جدًا.
أقدم من كل الملفات اللي شفتها.
ناولني الملف.
فتحت أول صفحة.
واتجمد الدم في عروقي.
كانت صورة لأمي.
لكنها ما كانتش لوحدها.
كانت واقفة وسط مجموعة من العلماء والمهندسين.
وخلفهم مشروع ضخم.
وتحت الصورة عنوان واحد
مشروع الإرث.
قلبت الصفحة الثانية.
الثالثة.
الرابعة.
كل صفحة كانت بتكشف حاجة أغرب.
لحد ما وصلت لآخر صفحة.
وهناك كانت المفاجأة.
ورقة مكتوب فيها أسماء الورثة الشرعيين للمشروع.
كل الأسماء عليها علامة حمراء.
متوفى.
مفقود.
متوفى.
مفقود.
إلا اسم واحد.
اسمي أنا.
أنا الوريثة الوحيدة المتبقية.
رفعت عيني للرجل العجوز.
وريثة إيه؟
ابتسم لأول مرة.
وقال
وريثة أعظم اكتشاف اختفت أسراره منذ ثلاثين سنة.
في نفس اللحظة...
سمعنا صوت انفجار هائل.
واحدة من العربيات السوداء طارت أبوابها.
الرجال اتفزعوا.
والرجل العجوز نفسه التفت بسرعة.
ومن وسط الدخان ظهرت سيارة قديمة سوداء.
نزل منها رجل ضخم.
ملامحه قاسية.
وفي إيده صورة.
صورتي أنا.
مزقها نصفين قدام الجميع.
ثم قال بصوت مرعب
لو كانت هي الوريثة الأخيرة...
وسحب مسدسًا وأشار به نحو الملف في يدي.
...فلازم تموت الحقيقة معاها.
وفي اللحظة دي...
شدني حازم خلفه.
لأول مرة يحط نفسه بيني وبين الخطر.
ثم همس بدون ما يبصلي
في حاجة واحدة ما عرفوهاش...
إيه؟
رد وهو مثبت عينيه على الرجل القادم
إن والدتك قبل ما تختفي... سابت السر الحقيقي في مكان محدش قدر يوصله.
ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا جدًا.
كان نفس المفتاح اللي شفته في القبو.
لكن المرة دي لاحظت شيئًا مكتوبًا عليه
صندوق 17
وفجأة تغير لون وجه الرجل العجوز.
والرجل الضخم.
وكل الموجودين.
كأنهم شافوا شبحًا.
وعرفت وقتها إن المفتاح ده...
أخطر من كل الأسرار اللي اكتشفتها لحد دلوقتي.
يتبع... تسمرت عيني على المفتاح الصغير.
مجرد قطعة معدن قديمة...
لكن الرعب اللي ظهر على وشوش الجميع كان كافي يخليني أعرف إن قيمته أكبر من أي كنز.
الرجل العجوز اتقدم
هات المفتاح يا حازم.
الرجل الضخم رفع مسدسه أكثر.
دلوقتي.
لكن حازم ضحك ضحكة قصيرة وغريبة.
بعد تلاتين سنة تدوير... فاكرين إني هسلمه بسهولة؟
أنا كنت واقفة بينهم مش فاهمة.
صرخت
حد يفهمني! صندوق 17 ده إيه؟!
نظر لي حازم مباشرة.
وقال
الصندوق ده السبب الحقيقي لكل اللي حصل.
ثم أشار للملف بين يدي.
كل اللي قريتيه مجرد قشرة... الحقيقة كلها جوه الصندوق.
وفجأة...
سمعنا صوت صفارات شرطة من بعيد.
الرجال توتروا.
لكن الغريب إن العجوز ابتسم.
متقلقش... دي مش شرطة.
في اللحظة دي حسيت ببرودة سرت في جسمي.
لو مش شرطة...
يبقى مين؟
بعد ثوانٍ قليلة ظهرت أربع سيارات سوداء أخرى.
أبوابها اتفتحت.
ونزل رجال ونساء بملابس رسمية.
كل واحد منهم كان لابس دبوس فضي على شكل رقم
17
العجوز همس
وصلوا.
حازم شد على إيدي بقوة.
لأول مرة أحس إنه خايف بجد.
اسمعيني كويس.
إيه؟
مهما حصل بعد شوية... متديش المفتاح لأي حد.
بس هو معاك أصلاً.
نظر لي للحظة.
ثم فتح كفي.
المفتاح كان موجود فيه.
مش فاكرة إمتى حطه في إيدي.
ولا إزاي.
لكن بقى عندي أنا.
أنا تحديدًا.
وفي نفس اللحظة خرجت سيدة من السيارات.
أنيقة.
في أواخر الخمسينات.
أول ما شفت وشها شهقت.
كانت شبه أمي بشكل مخيف.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
حتى نفس طريقة الوقوف.
السيدة بصت لي والدموع لمعت في عينيها.
وقالت
أخيرًا لقيتك.
صوتها هزني من الداخل.
كأني سمعته قبل كده.
في حلم قديم.
أو ذكرى بعيدة.
قربت مني ببطء.
وأخرجت سلسلة من رقبتها.
في آخرها نصف قلادة.
ثم أشارت للقلادة اللي كنت لابساها من طفولتي.
القلادة اللي أمي وصتني عمري ما أقلعها.
ولأول مرة انتبهت.
كانت نص قلادة أيضًا.
السيدة قالت بصوت مرتعش
لأننا كنا بنلبس النصين...
اتجمدت مكاني.
...لأنني أخت أمك.
سقط المطر حولي بغزارة.
لكن ما سمعتش غير الجملة دي.
أخت أمي؟
يعني عندي عيلة؟
يعني كل السنين دي كنت عايشة بنص الحقيقة؟
لكن قبل ما أتكلم...
دوى صوت طلقة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
وفجأة وقعت السيدة على الأرض.
والدم بدأ ينتشر حولها.
صرخت.
أما هي فمدت يدها بصعوبة نحوي.
وهمست آخر كلماتها
الصندوق... تحت... البحيرة القديمة...
ثم أغمضت عينيها.
وفي اللحظة نفسها...
ظهرت على شاشة ضخمة في واجهة أحد المباني القريبة رسالة واحدة غامضة
تم تفعيل العد التنازلي 72 ساعة متبقية.
وتحتها مباشرة
ابحثوا عن صندوق 17 قبل فوات الأوان.
يتبع... وقفت مصدومة وأنا ببص للشاشة العملاقة.
72 ساعة متبقية.
إيه اللي هيحصل بعد 72 ساعة؟
وليه كل الناس دي مستعدة تقتل عشان صندوق قديم؟
حازم جذبني من إيدي بعنف.
لازم نمشي حالًا!
لكن قبل ما نتحرك، لمحنا الرجل الضخم اللي أطلق النار وهو بيهرب ناحية إحدى العربيات.
العجوز صرخ في رجاله
امسكوه! هو كمان عايز الصندوق لنفسه!
في لحظة واحدة الدنيا اتحولت لفوضى.
ناس بتجري.
عربيات بتتحرك.
وأصوات صراخ في كل مكان.
حازم أخذني إلى سيارة قديمة كانت مركونة خلف المخزن.
ركبنا وانطلق بأقصى سرعة.
بعد عشر دقائق من الصمت الثقيل، بصيت له.
هتقولي الحقيقة أخيرًا؟
تنهد طويلًا.
ثم قال
أمك ما كانتش مجرد عالمة.
أمال كانت إيه؟
سكت ثواني.
كانت الشخص الوحيد اللي عرف مكان شيء كل الناس بتدور عليه.
إيه هو؟
هنا هز رأسه.
معرفش.
اتعصبت.
إزاي متعرفش؟!
قال بصدق
لأن محدش يعرف.
سكت شوية ثم أكمل
الصندوق نفسه مش الكنز... اللي جواه هو المهم.
وصلنا لفندق صغير مهجور على طريق صحراوي.
دخلنا أوضة قديمة.
وأول ما قفل الباب، طلع الملف الأصفر.
بدأنا نقلب الأوراق من جديد.
لحد ما وقعت ورقة مطوية من بين الصفحات.
ورقة ما كناش شفناها قبل كده.
فتحتها.
كان فيها رسم يدوي لبحيرة.
وفي منتصف الرسم علامة كبيرة.
وتحتها جملة قصيرة
المفتاح يفتح الصندوق... لكن الدم يفتح السر.
حسيت بقشعريرة.
يعني إيه الكلام ده؟
قبل ما حازم يرد...
سمعنا صوت طرق خفيف على باب الأوضة.
دقة واحدة.
ثم دقتين.
ثم ثلاث دقات.
حازم شحب وجهه فجأة.
مستحيل.
إيه؟
قال بصوت منخفض
دي الإشارة.
إشارة مين؟
رد وهو ينظر للباب
الشخص اللي أمك كانت بتثق فيه أكتر من أي حد.
الطرق تكرر مرة ثانية.
دقة.
دقتين.
ثلاث دقات.
تقدمت
وفتحت جزءًا صغيرًا منه.
ما شفتش حد.
لكن كان فيه ظرف أبيض على الأرض.
التقطته بسرعة.
وقفلت الباب.
فتحنا الظرف.
وفي داخله صورة قديمة جدًا.
صورتي أنا.
لكن الغريب...
إني كنت أكبر بعشر سنوات تقريبًا مما أنا عليه الآن.
بصيت لحازم بذهول.
دي مش أنا.
هز رأسه ببطء.
لا... دي مش إنتِ.
أمال مين؟
قلب الصورة.
وكان مكتوب خلفها
ليان الأولى.
وفي أسفلها جملة جعلت أنفاسنا تتوقف
إذا كنتم تقرأون هذه الرسالة، فاعلموا أن الوريثة الحالية ليست الأولى... بل الثانية.
ساد الصمت.
ثوانٍ طويلة.
ثم همست
يعني إيه الثانية؟
وفي نفس اللحظة سقطت من الظرف ورقة صغيرة أخرى.
كان مكتوب فيها عنوان واحد فقط.
وعبارة أخيرة
إذا أردتم معرفة الحقيقة كاملة... ابحثوا عن القبر الفارغ.
يتبع... تجمدت وأنا ماسكة الورقة.
ابحثوا عن القبر الفارغ.
الكلمات كانت بسيطة... لكنها خلت حازم يشحب بشكل مخيف.
سألته بسرعة
إنت تعرف القبر ده؟
سكت.
وده كان كفاية يخليني أعرف إنه يعرف.
مسكت ذراعه بعنف
بطل تخبي عليا!
رفع عينيه أخيرًا وقال
القبر موجود في مقبرة قديمة اتقفلت من سنين... والمفروض إن اللي جواه مدفون من أكتر من عشرين سنة.
والمفروض يعني إيه؟
ابتلع ريقه بصعوبة.
لأن القبر عمره ما كان فيه جثة.
في اللحظة دي حسيت إن كل إجابة بتفتح عشر أسئلة جديدة.
لكن ماكانش عندنا وقت.
مع أول ضوء للفجر، اتحركنا ناحية المقبرة.
كانت في منطقة مهجورة، محاطة بأشجار ضخمة وأسوار متهالكة.
البوابة الحديد كانت مقفولة بسلسلة صدئة.
لكن الغريب إن السلسلة كانت مقطوعة حديثًا.
حد سبقنا.
دخلنا بحذر.
وكل خطوة كانت بتزود إحساسي إن فيه حد بيراقبنا.
بعد عشر دقائق من البحث، لقينا القبر.
على شاهد الرخام كان مكتوب اسم واحد
ليان.
وقفت أنظر للاسم.
نفس الاسم اللي ظهر في الصور.
نفس الاسم اللي بيناديني بيه العجوز.
لكن تاريخ الوفاة كان أغرب حاجة.
لأنه مكتوب بعد تاريخ ميلادي بسنة واحدة.
يعني البنت ماتت وأنا لسه طفلة.
أو هكذا كان المفروض.
حازم أخرج المفتاح الصغير.
لكن بدل ما يحطه في القبر،
في قاعدة التمثال كان فيه ثقب صغير.
دخل المفتاح.
لفه.
وفجأة...
سمعنا صوت تروس قديمة بتتحرك تحت الأرض.
ثم اهتز القبر كله.
وتراجع الرخام ببطء.
مش قبر.
كان بابًا سريًا.
نزلنا درجات طويلة تحت الأرض.
لحد ما وصلنا لغرفة دائرية ضخمة.
وفي منتصفها صندوق معدني قديم.
عليه
متابعة القراءة