حماتى كانت مع ومه عنداهل بنتها

لمحة نيوز

حماتي في الصالون وهي بتقول لميادة بعصبية
شفتي ابن أخوكي عمل فيا إيه؟ فضحني قدام الناس كلها!
ميادة ردت بهدوء لا يا ماما، هو مفضحكيش. هو بس قال الحقيقة.
أول مرة في حياتي أشوف حد يرد عليها بالشكل ده.
حماتي سكتت، لكن من شكلها عرفت إن جواها نار.
بعد أسبوع تقريبًا، جوزي رجع من الشغل وهو مبتسم.
قلتله خير؟
قال فاكرة الأرض اللي جدي سايبها في البلد؟
هزيت راسي.
قال طلع فيه ورث هيتقسم الشهر الجاي.
ما اهتمتش قوي وقتها، لكن اللي حصل بعد كده كان غريب.
فجأة حماتي بقت لطيفة جدًا.
كل يوم تتصل عاملة إيه يا بنتي؟ محتاجة حاجة؟
وتبعت للعيال حلويات وهدايا.
أنا استغربت جدًا، لكن جوزي كان بيضحك ومش راضي يعلق.
لحد ما في يوم زارتنا وقعدت تتكلم عن الورث وعن تعبها في تربية أولادها وإن من حقها يكون ليها نصيب أكبر.
بعد ما مشيت، بصيت لجوزي وقلت
هي مالها متغيرة كده؟
ضحك وقال فاكرة إنها لو دلعتنا شوية هتقنعني أتنازل لها عن جزء من الورث.
قلت وهتعمل إيه؟
رد ولا حاجة. كل واحد هياخد حقه بالعدل.
وفعلًا يوم تقسيم الورث جه.
والمفاجأة كانت إن الجد كان كاتب وصية موثقة من سنين، محدد فيها نصيب كل شخص بالتفصيل.
حماتي ما قدرتش تغير أي حاجة.
ولما رجعنا البيت بعدها، قعدت جنبي وقالت
لأول مرة من يوم ما اتجوزت
أنا ظلمتك كتير يا بنتي.
بصيتلها مصدومة.
كملت وهي منزلة عينيها كنت فاكرة إن السيطرة قوة، لكن اكتشفت إني كنت بخسر ولادي واحدة واحدة.
ساعتها حسيت إن السنين كلها عدت قدامي.
ولا كنت محتاجة فلوس، ولا اعتذار كبير.
كنت محتاجة الكلمة دي بس.
ومن يومها علاقتنا ما بقتش مثالية، لكن بقت فيها احترام.
واحترام الناس لبعض أحيانًا بيبقى أغلى من أي عزومة وأغلى من أي ورث. عدّت شهور، والدنيا كانت أهدى بكتير من الأول.
حماتي بطلت تدخل في كل كبيرة وصغيرة، وأنا كمان بقيت أتعامل معاها بهدوء وأسيب أي خلاف يعدّي من غير ما أكبره.
وفي يوم، وأنا قاعدة في المطبخ، لقيتها داخلة عليّ لوحدها.
قعدت وسكتت شوية، وده كان غريب جدًا عليها.
بعدين قالت
فاكرة يوم العزومة؟
ابتسمت وقلت أنساه إزاي؟
تنهدت وقالت
اليوم ده كان أول مرة أحس إن ولادي كبروا فعلًا. كنت متعودة إن الكل ينفذ كلامي حتى لو غلط.
سكتت لحظة، ثم أخرجت ظرفًا من شنطتها وحطته قدامي.
فتحت الظرف باستغراب.
لقيت فيه إيصالات قديمة ومبلغ فلوس.
بصيت لها بعدم فهم.
قالت
دي قيمة جزء كبير من المصاريف اللي دفعتوها يومها. يمكن متأخر، لكن الحق لازم يرجع لأصحابه.
والله وقتها اتأثرت أكثر من أي وقت فات.
مش بسبب
الفلوس نفسها، لكن لأن الست اللي عمرها ما اعترفت بغلطها، كانت بتحاول تصلحه بنفسها.
قلت لها
خلي الفلوس معاكي يا حماتي.
لكنها أصرت وقالت
لا. النهارده أنا اللي هزعل لو رفضتي.
ضحكنا لأول مرة من قلبنا.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بأيام.
أهل ميادة نفسهم جم يزورونا تاني.
أول ما دخلوا البيت، قالت ميادة وهي تضحك
المرة دي محدش عزمنا غير بعد ما استأذن.
الكل ضحك، حتى حماتي.
وبدل ما تحرج أو تزعل، قالت
أهو الواحد بيتعلم مهما كبر.
ومن ساعتها بقى عندنا تقليد جديد.
أي عزومة أو مناسبة، الكل يقعد الأول ويتفق مين هيعزم؟ ومين هيدفع؟ ومين هيجهز؟
لا أوامر، ولا فرض رأي.
وبعد سنين، لما بنتي كبرت وبقت عروسة، شفت حماتي وهي بتوصيها يوم فرحها وتقول
اسمعي نصيحة ست كبيرة غلطت كتير... بيتك ما يخربوش الفلوس، اللي يخربه إن الناس ما تحترمش حدود بعضها.
وقتها بصتلها وابتسمت.
لأن الست اللي كانت زمان سبب أكبر مشاكلنا، بقت هي نفسها تحكي للناس الدرس اللي اتعلمته بالطريقة الصعبة.
وساعتها عرفت إن بعض النهايات السعيدة مش بتكون لما حد يكسب وحد يخسر...
بتكون لما الكل يتغير للأفضل. وفي ليلة هادية بعد سنين من كل اللي حصل، كانت حماتي تعبانة شوية وقاعدة وسط ولادها وأحفادها.
بصت حوالين
السفرة الكبيرة اللي كانت مليانة ضحك ولمّة، وقالت وهي دموعها في عينيها
عارفين أكتر حاجة ندمانة عليها في حياتي إيه؟
الكل سكت.
أشارت ناحيتي وقالت
إني كنت فاكرة إن الكلمة العالية بتكسب، وإن فرض الرأي قوة. لكن البنت دي علمتني إن الاحترام هو اللي بيخلي البيوت تعيش.
اتكسفت جدًا، لكني مسكت إيدها وابتسمت.
بعدها بشهور، ربنا توفاها.
وأثناء ما كنا بنرتب حاجتها، لقيت ظرف صغير عليه اسمي.
فتحته وأنا مستغربة، ولقيت فيه جواب مكتوب بخط إيدها
سامحيني على كل مرة ظلمتك فيها أو كسرت خاطرك. يمكن ما عرفتش أقولك كل اللي جوايا وأنا عايشة، لكنك كنتِ بنتي قبل ما تكوني مرات ابني. ولو الزمن رجع بيا، كنت هختارك برضه لأني اطمأنيت إن ابني وولاده في إيد أمينة.
وقتها دموعي نزلت غصب عني.
قفلت الجواب وحطيته في قلبي قبل أي مكان.
ولما بنتي سألتني بعد سنين
ماما، صحيح ستي كانت بتزعلك؟
ابتسمت وقلت
أيوه يا حبيبتي... لكنها في الآخر علمتني أهم درس في الدنيا.
قالت إيه هو؟
قلت وأنا ببص لصورتها
إن التسامح مش معناه إننا ننسى اللي حصل... التسامح معناه إننا ما نخليش اللي حصل
يسرق عمرنا وسعادتنا.
ومن يومها فضلت صورة حماتي معلقة في البيت...
مش عشان كانت ملاك وما غلطتش.
لكن عشان اعترفت بغلطها
قبل فوات الأوان، وسابت وراها صلحًا ومحبة جمعوا العيلة كلها بعد سنين من الخلاف. 
تمت.

تم نسخ الرابط