بنتى كل ماتروح عند عيلة ابوها ترجع هتموت من بطنها
أي زيارة بدون وجودي.
وحمايا بنفسه وقف في صفي.
أما حماتي، فقعدت شهور تحاول تصلح اللي اتكسر.
وأصعب حاجة اكتشفتها في اليوم ده...
إن الخطر أحيانًا ما بيجيش من الكره.
بيجي من الجهل.
والجهل لما يلبس ثوب الحب، ممكن يبقى أخطر من أي عدو مرت شهور بعد الحادثة.
نور بدأت تتحسن تدريجيًا، والقيء اختفى تمامًا. لأول مرة من زمان كنت أنام وأنا مطمنة إن بنتي مش هتصحى في نص الليل تصرخ من الوجع.
لكن رغم كده، كان في حاجة جوايا مكسورة.
كل ما أبص لحماتي أتذكر الكوباية اللي كانت ماسكاها بإيديها وهي بتجبر بنتي تشرب منها.
كنت عارفة إنها بتحب نور، لكن الحب لو من غير عقل ممكن يبقى كارثة.
في يوم، جالي اتصال من حمايا.
صوته كان متعب ومكسور.
قال يا سمر... أم أحمد تعبانة وعاوزة تشوفك.
بصراحة ماكنتش عايزة أروح.
لكن عشان خاطر أحمد الله يرحمه، وافقت.
لما دخلت البيت لقيت حماتي أضعف بكتير من آخر مرة شوفتها.
أول ما شافت نور، انفجرت في العياط.
مدت إيديها المرتعشة وقالت سامحيني يا بنتي... والله ما كنت عايزة أأذيها.
فضلت ساكتة.
هي كملت من يوم ما أحمد مات وأنا عقلي مش معايا. كنت بعمل أي حاجة وأصدق أي حد يقولي هيرجعلي ريحة ابني أو يحافظ على بنته.
وبعدين طلعت ظرف من درج جنبها.
ناولتهولي.
فتحته باستغراب.
كان فيه أوراق وتحويلات بنكية وشهادات استثمار باسم نور.
قالت ده كل اللي كنت محوشاه. كله كتبته باسمها.
بصيتلها باستغراب.
قالت وهي بتمسح دموعها أنا عارفة إن الفلوس مش هتصلح اللي عملته... بس عايزة أموت وأنا مطمنة إن بنت أحمد مستقبلها محفوظ.
ساعتها لأول مرة حسيت إن الست دي فعلاً ندمانة.
مش بتدور على مخرج.
ولا بتحاول تبرر.
كانت مكسورة بجد.
عدت الأيام، والعلاقة بينا بقت أهدى.
مش زي الأول.
وفيه حاجات عمرها ما هترجع زي ما كانت.
لكن على الأقل بقى فيه حدود واضحة وثقة مبنية على الحقيقة مش على المجاملات.
وفي عيد ميلاد نور الرابع، حصل موقف خلاني أبكي.
كانت نور بتطفي الشمع.
وفجأة بصت لصورة أبوها المعلقة على الحائط وقالت
ماما... بابا أكيد فرحان بيا دلوقتي؟
دموعي نزلت.
وقلت أيوة يا حبيبتي... بابا فرحان بيكي جدًا.
في اللحظة دي بصيت لحماتي.
لقيتها بتبكي هي كمان.
فهمت وقتها إن كل واحد في البيت ده كان موجوع بطريقته.
أنا فقدت زوجي.
وهي فقدت ابنها.
لكن نور...
كانت السبب الوحيد اللي خلانا نكمل ونحاول نداوي اللي اتكسر من قلوبنا. مرت سنة كاملة.
نور كبرت شوية، وبقت تفهم أكتر وتسأل أكتر. وفي كل مرة كانت تشوف صورة أحمد، كانت تقف قدامها وتقول بفخر
ده بابا البطل.
كنت أبتسم ، وأحكي لها عنه، عن ضحكته، وعن حنانه، وعن قد إيه كان مستني يشوفها تكبر.
لكن في يوم من الأيام، وأنا برتب دولاب أحمد القديم، لقيت صندوق خشب صغير في آخر الرف.
الصندوق ده كنت شوفته قبل كده عشرات المرات، لكن عمري ما فتحته.
فتحت الغطا ببطء.
لقيت صور قديمة،
وفي آخر الصندوق كان فيه ظرف مقفول وعليه بخط إيده
لسمر... لو قريتي الجواب ده يبقى أنا مش موجود.
إيديا بدأت ترتعش.
فتحت الظرف وطلعت الورقة.
وكان أول سطر مكتوب فيها
سمر... لو القدر سبقني، عايزك تعرفي إني كنت أسعد راجل في الدنيا.
الدموع نزلت من غير ما أحس.
كملت القراءة.
كان بيحكي عن حبه ليا، وعن خوفه عليّ وعلى نور لو حصل له حاجة.
وفي آخر الجواب كتب
أوعي تسمحي للحزن يسرق عمرك. لو جه يوم وحبيتي تفتحي قلبك لحد تاني، متحسيش بالذنب. أنا مش عايزك تعيشي وحيدة بسببي. أهم حاجة تفضلي قوية عشان بنتنا.
قفلت الجواب وفضلت أبكي ساعات.
لأول مرة من يوم وفاته، حسيت إنه ودعني فعلًا.
وكأنه كان قاعد قدامي وبيطمني.
بعد شهور، بدأت أرجع للحياة شوية شوية.
رجعت أكمل دراستي اللي كنت سيباها.
اشتغلت.
اهتميت بنفسي.
وبقيت أشوف ضحكتي في المراية تاني بعد غياب طويل.
وفي يوم، وأنا راجعة من شغلي، مسكت نور إيدي وقالت
ماما... إنتي بقيتي تضحكي كتير اليومين دول.
ضحكت وسألتها
وده حلو ولا وحش؟
هزت رأسها بحماس وقالت
حلو... عشان لما بتضحكي أنا كمان بفرح.
ساعتها فهمت حاجة مهمة.
إن أحمد ماكانش عايزني أعيش أسيرة الذكرى.
ولا نور كانت محتاجة أم تبكي طول الوقت.
كانت محتاجة أم قوية.
أم تعرف تكمل.
أم تحوّل الوجع لقوة.
وبينما كنت ماشية أنا ونور وإيدها الصغيرة جوه إيدي، رفعت عيني للسما وابتسمت.
لأول مرة من سنين.
ومشيت لقدام... من غير ما أبص ورا.
تمت نهاية قوية ومؤثرة
بعد ما قريت جواب أحمد، حسيت إن ربنا بعتلي الرسالة دي في الوقت المناسب. بدأت أعيش من جديد، مش عشان أنسى أحمد، لكن عشان أنفذ وصيته وأربي نور بالطريقة اللي كان يحلم بيها.
كبرت نور سنة ورا سنة، وبقت متفوقة في دراستها وأخلاقها. أما حماتي، ففضلت تحاول تعوض غلطتها بكل الطرق. كانت تيجي كل أسبوع تساعدني، وتقضي وقتها كله مع نور تحت عيني، لحد ما الثقة رجعت تدريجيًا.
وفي يوم تخرج نور من كلية الطب بعد سنين طويلة، وقفت على المسرح تستلم شهادتها وسط تصفيق الجميع.
نزلت من على المسرح وجريت عليّ وقالت
النجاح ده ليكي يا ماما... إنتِ اللي حميتيني يوم ما محدش صدقك.
انهمرت دموعي وأنا أضمها لصدري.
وفجأة تقدمت حماتي، وكانت وقتها ست كبيرة جدًا، شعرها كله أبيض.
مسكت إيد نور وقالت وهي بتبكي
سامحيني يا بنتي على أي وجع سببتهولك وأنا فاكرة إني بحافظ عليكي.
ابتسمت نور وقبّلت رأس جدتها وقالت
أنا مسامحاكي يا تيتة.
في تلك اللحظة، رفعت بصري لصورة أحمد المعلقة على الحائط في قاعة الاحتفال.
كان يبتسم في الصورة بنفس الابتسامة التي أحببتها يومًا.
همست وأنا أبكي
اطمن يا أحمد... بنتك كبرت وبقت أحسن مما تمنيت.
خرجنا من القاعة ونحن ممسكون بأيدي بعضنا أنا، ونور، وجدتها.
وعرفت وقتها أن الحقيقة التي اكتشفتها بالكاميرا لم تدمر حياتي كما ظننت
بل أنقذت حياة ابنتي، وكشفت الخطر قبل فوات الأوان، ومنحتنا جميعًا فرصة جديدة لنبدأ من جديد.
النهاية.