دلوقتي ياهنا
بدعي عليكِ، والمسامحة دي بينك وبين ربنا. أنا خرجتك من حياتي ومن حساباتي عشان أحمي بيتي. لو بناتك محتاجين مصاريف للمدرسة، أنا هبعت لهم اللي يقدرني عليه ربنا مع حد من القرايب، مش عشانك.. عشان هما مالهمش ذنب في غلك، وعشان أبويا وأم الله يرحمهم. لكن أنا وأنتِ؟ خلاص.. اللي انكسر عمره ما هيتصلح.
قفلت السكة، وحسيت إني عملت الصح. مسبتش بنات أختي يجوعوا عشان أرضي ربنا، وفي نفس الوقت مسمحتش لشيماء إنها تخش حياتنا تاني وتسممها.
بعد مرور سنة...
في يوم عيد ميلاد هنا التامن، كنا عاملين حفلة صغيرة في البيت. هنا كانت واقفة قدام المراية، ولابسة نفس الفستان البنفسجي اللي كان اتوسخ يومها.. مريم غسلته وشالتهولها لليوم ده بالذات.
بصيت على هنا في المراية.. شعرها الكستنائي كان رجع طول لحد كتفها، ناعم وبيلمع وزي الفل. مريم كانت بتسرحهولها وبتعملها الضفيرة اللي بتحبها.
هنا لفت وبصت لي، والابتسامة كانت مالية وشها وعينيها بتلمع بفرحة حقيقية مفيش فيها أي خوف. جريت عليا وحضنتني جامد وقالت لي
بابا.. بص، أنا بقيت شبه الأميرة تاني صح؟
شلتها ولفيت بيها في الصالة، ومريم واقفة بتضحك ودموع الفرحة في عينيها، وقلت لها
أنتِ أميرة طول عمرك يا قلب بابا.. وشعرك ده تاج، ومفيش أي حد في الدنيا يقدر يشيل التاج ده من على راسك طول ما أنا عايش وب نِفس في الدنيا.
في اللحظة دي عرفت إن الدرس انتهى، وإن ربنا لما بياخد حق المظلوم، بياخده تالت ومتلت، وبيرجع يبتسم للقلوب الطيب اللي استحملت وصانت الأصول.
بعد ما الحفلة خلصت، وهنا نامت وهي حاضنة فستانها والابتسامة مش مفارقة وشها، قعدت أنا ومريم في البلكونة بنشرب شاي، والدنيا حوالينا هادية.
مريم
تنهدت وقلت لها لأ.. وإنتِ عارفة إني مابقتش أسأل.
مريم حطت إيدها على إيدي وقالت بهدوء عمك جالي المستشفى النهاردة وهو بيجيب علاج، وقال لي إن شيماء بدأت تدي دروس خياطة للبنات في المنطقة اللي هي فيها. إيدها مابقتش قادرة على مقص الكوافير السريع، بس ربنا فتح لها باب رزق هادي على قدها، وعرفت إن القرش اللي بتبعته للبنات كل أول شهر مع عمك هو اللي شايل مصاريف مدرسة نادين ومريم.
سكتت شوية وأنا ببص للسما، وحسيت براحة غريبة.
الحمد لله يا مريم. أنا مش شمتان فيها، ولا كنت دايماً بتمنى لها الأذى.. أنا بس كان لازم أقف وقفة راجل وأحمي بنتي. ربنا هداها، وده اللي يهمني عشان بناتها الغلابة.
بداية جديدة ل هنا
الحياة دارت، وبقت هنا تكبر قدام عينينا والوجع القديم بيتحول لقوة. التجربة دي، رغم قسوتها، غيرت في شخصية بنتي كتير؛ مابقتش الطفلة اللي أي كلمة تكسرها، بقت قوية، واثقة في نفسها، ووعيت بدري إن قيمتها مش في مظهرها ولا في شعرها، بل في قلبها وفي الناس اللي بيحبوها بجد.
لما وصلت لسن عشر سنين، شعرها رجع أطول وأجمل من الأول، لحد ظهرها. وفي يوم، لقيتها جاية لي وبتقول لي
بابا.. أنا عايزة أقص شعري.
اتخضيت للحظة، وافتكرت اليوم المشئوم، وبصيت لها بقلق تقصيه ليه يا هنا؟ ده بقى جميل وطويل وزي الفل!
ابتسمت ابتسامة ناضجة مفيش فيها أي خوف وقالت عايزة أتبرع بيه لمستشفى سرطان الأطفال يا بابا. أنا عشت كام شهر من غير شعر، وعارفة الإحساس ده بيبقى صعب إزاي على البنات.. بس أنا كان عندي بابا ومريم وقفوا جنبي، الأطفال دول تعبانين ومحتاجين يفرحوا. وأنا شعري هيطول تاني عادي، أنا خلاص مابقتش
في اللحظة دي، دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع فخر. أخدتها في حضني وأنا مش مصدق إن الطفلة المكسورة بتاعت زمان بقت بالجمال والقوة والنبل ده.
بعد مرور السنين
النهاردة، هنا عروسة زي القمر، بتتخرج من كلية الطب. واقفة في حفلة تخرجها وسط زمايلها، لابسة الروب الأسود وقبعة التخرج فوق شعرها اللي متصفف زي الأميرات.
وأنا واقف بعيد، شعري غزا فيه الشيب، وضهري ما بقاش مفرود زي زمان، بس عيني مليانة فرحة تملى الكون. هنا سابت الصحافة والدكاترة وجريت عليا وسط القاعة، رمت قبعة التخرج في الهوا، وارتمت في حضني وهي بتعيط وبتقول بأعلى صوتها قدام الكل
أنا نجحت وبقيت دكتورة يا بابا.. نجحت عشان أنت كنت السند، وعشان عمري ما نسيت إنك حميتني ورفعت راسي لما الدنيا كلها جت عليا.
بصيت ل مريم اللي كانت واقفة جنبي بتبكي من الفرحة، وبصيت ل هنا، وعرفت إن الأصول والخير عمرهم ما بيضيعوا. وإن الراجل اللي بيصون بيته وبنته، ربنا بيجازيه في النهاية بأجمل فرحة ممكن يشوفها في حياته.
وقفتنا يومها، ورفضنا للظلم، مكنش مجرد انتقام.. كان درس علمنا وعلم بنتنا إن الحق لازم يرجع، وإن الأميرة الحقيقية مش اللي عندها شعر طويل، الأميرة هي اللي وراها أب بيهز الدنيا عشان خاطر ضحكتها.
وبينما كانت قاعة التخرج تضج بالتصفيق، وأنا حاضن الدكتورة هنا، لمحت من بعيد حركة عند باب القاعة الأخير.
كانت واقفة هناك.. ست باين عليها علامات الزمن والشقاء، سانده إيدها اليمين اللي باين عليها أثر ضمور قديم، وجنبها بنتين شابات زي الورد، لابسين لبس بسيط بس محتشم ومنظم.
دي كانت شيماء.. ونادين ومريم.
عرفت بعدين من مريم مراتي إن نادين ومريم، بنات أختي، هما اللي صمموا
هنا لفتت انتباهي وبصت في نفس الاتجاه. قلبي دق، وخفت للحظة تكون لسه شايلة جواها ذرة خوف أو وجع. بس هنا فاجأتني.. ابتسمت ابتسامة هادية، مفيهاش أي شماتة، ولا فيها أي ضعف. ابتسامة إنسانة اتعافت تماماً، وبقت أكبر وأعلى من إنها تشيل غل في قلبها.
شاورت لهم بإيدها من بعيد، ونادين ومريم ردوا لها الإشارة بدموع وفرحة، وشيماء وطت راسها في الأرض.. وكأنها بتشكرها إنها مقلبتش الفرح لعزا.
العودة إلى البيت القديم
بعد الحفلة بأيام، وبعد ما دوشة التهنئة هديت، لقيت نفسي واخد العربية وماشي في الشوارع اللي كبرنا فيها. رحت للمنطقة اللي فيها الشقة التمليك بتاعتي.. الشقة اللي كانت سبب في نقطة التحول دي كلها.
المشتري القديم كان باعها من كام سنة، وبالمصادفة، كانت معروضة للبيع تاني.
أنا ربنا كان كرمني ووسّع رزقي في الشغل، والوديعة اللي شيلتها لهنا كبرت. اتصلت بالسمسار، وبنفس الورقة والقلم، اشتريت الشقة دي تاني باسم هنا رأفت.
ولما رجعت البيت، حطيت عقد الشقة ومفتاحها في إيد هنا.
إيه ده يا بابا؟ سألتني باستغراب.
قلت لها
دي الشقة اللي اتكسرتِ فيها وأنتِ عندك سبع سنين.. النهاردة الشقة دي بقت ملكك، عيادتك المستقبلية إن شاء الله هتتفتح هنا. المكان اللي شهد كسرتِك، هو نفسه المكان اللي هيشهد على شفاكي للناس ونجاحك.
هنا عينها دمعت وحضنت العقد والمفتاح، وقالت لي أنا مش عارفة من غيرك كنت