فى اول شهر جواز
حالًا!
قلت حاضر... أول ما الغسالة ترجع مكانها.
لأول مرة الاتنين سكتوا.
لأنهم فهموا إن الموضوع مش غسالة... الموضوع إنهم كسروا حدود الاحترام من أول شهر جواز.
مصطفى خرج من البيت وقتها وهو متوتر جدًا.
وبعد أقل من ساعة رجع ومعاه الراجل اللي اشترى الغسالة.
اتضح إنه كان جار لحماتي فعلًا، ولما عرف القصة اتكسف من نفسه ورجعها فورًا بعد ما أخد فلوسه.
الغسالة رجعت مكانها.
لكن اللي رجعش أبدًا هو طريقة حماتي القديمة.
لأن مصطفى بعد اللي حصل قعد مع أمه وقالها لأول مرة في حياته
دي بيتي أنا ومراتي... وأي حاجة هنا ماحدش يلمسها من غير إذنها.
ومن اليوم ده بقت تخبط على الباب قبل ما تدخل.
وبطلت تصحيني الفجر.
وبطلت تتعامل معايا كأني خدامة في البيت.
أما أنا...
فكنت كل ما أبص للغسالة وهي شغالة، أفتكر إن السكوت ساعات بيكون قوة...
بس القوة الحقيقية إنك تعرفي إمتى تقولي لأ.
تمت بعد الموقف ده بأسبوعين، البيت بقى أهدى شوية.
حماتي بقت تخبط قبل ما تدخل، ومصطفى بقى يحاول يوازن بيني وبين أمه.
لكن جوايا كان فيه حاجة اتكسرت.
مش بسبب الغسالة...
بسبب إن أول مرة احتجت فيها لجوزي يقف جنبي، اختار يقف يتفرج.
وفي ليلة، بعد ما حماتي نامت، قعدت مع مصطفى وقلتله
عايزة أسألك سؤال واحد بس.
قال اسألي.
قلت لو أبويا دخل شقتنا وباع حاجة من جهازك من غير إذنك... كنت هتسكت؟
سكت.
قلت ولو صحاك كل يوم الفجر وأمرك تعمل شغل غصب عنك... كنت هتعتبر ده تربية؟
برضه سكت.
لأول مرة شفت في عينه
قال بصوت واطي أنا غلطت.
قلت أنا مش زعلانة من أمك على قد ما أنا زعلانة منك.
الكلام ده هزه من جواه.
ومن يومها بدأ يتغير فعلًا.
مش بالكلام...
بالمواقف.
لما أمه كانت تتدخل في حاجة تخصنا، كان يقول سيبينا نقرر إحنا.
لما كانت تحاول تفرض رأيها، كان يوقفها باحترام.
ولأول مرة حسيت إني متجوزة راجل، مش ابن صغير خايف يزعل أمه.
لكن المفاجأة الأكبر حصلت بعد شهر.
في يوم رجعت من بره، لقيت حماتي قاعدة مستنياني.
وشها كان غريب... مش متكبر زي كل مرة.
أول ما قعدت قالت
أنا عايزة أقولك حاجة.
استغربت.
قالت وهي باصة للأرض
أنا ظلمتك.
افتكرت إني بتهيألي.
لكنها كملت
أنا كنت فاكرة إن الشدة هي اللي بتعمل ست بيت ناجحة... وعملت معاكي اللي اتعمل معايا زمان.
وسكتت شوية.
ثم قالت
بس الحقيقة إني كنت بكرر الغلط اللي اتعمل فيا.
أول مرة أسمع منها الجملة دي.
وأول مرة أشوفها إنسانة مش مجرد حما متسلطة.
ومن ساعتها بدأت علاقتنا تتحسن بالتدريج.
مش بقينا أصحاب مقربين فجأة...
لكن بقى فيه احترام.
وبقى فيه حدود.
وبقى كل واحد عارف مكانه.
أما الغسالة؟
فضلت سنين شغالة في البيت.
وكل ما حد يسألني عنها أضحك وأقول
دي أغلى غسالة في الدنيا...
مش عشان تمنها أربعين ألف جنيه...
عشان هي اللي علمتنا إن البيت ما يقومش على الأوامر والسيطرة... البيت يقوم على الاحترام.
النهاية بعد سنين من القصة دي، كنت فاكرة إن صفحة الغسالة اتقفلت واتدفنت خلاص.
لكن الحياة كان عندها مفاجأة تانية.
في يوم، حماتي تعبت فجأة، والدكتور طلب منها راحة تامة لمدة شهرين.
ولأول مرة من يوم ما عرفتها، بقت هي اللي محتاجة مساعدة من حد.
أخوات مصطفى كانوا كل يوم يقولوا هنعدي عليها. هنيجي نزورها.
لكن وقت الجد، كل واحد كان عنده ظروفه.
فضلت أنا اللي جنبها.
أحضرلها أكلها. أجيب دواها. وأساعدها تتحرك.
في الأول كانت متحرجة جدًا.
وكل شوية تقول سيبيني أعملها بنفسي.
وأنا كنت أبتسم وأقول دلوقتي دوري أخدمك.
وفي ليلة، وأنا بساعدها تشرب الدوا، لقيتها بتبكي.
أول مرة أشوف الست دي بتعيط.
قالت أنا طول عمري فاكرة إنك بتكرهيني.
قلت لو كنت بكرهك، ما كنتش قعدت جنبك دلوقتي.
مسحت دموعها وقالت أنا أذيتك كتير.
قلت بهدوء كلنا بنغلط.
فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت جملة عمري ما نسيتها
إنتِ كسبتيني بالأصل... مش بالخناق.
ومن يومها، علاقتنا اتغيرت فعلًا.
ولما ربنا رزقني بعد كده ببنت صغيرة، كانت هي أكتر واحدة فرحانة بيها.
كانت تشيلها بالساعات وتقول للناس دي بنتي التانية قبل ما تكون مرات ابني.
ومصطفى كان كل ما يشوفنا قاعدين مع بعض يضحك ويقول مين يصدق إنكم كنتوا هتقوموا حرب عالمية بسبب غسالة!
فنضحك كلنا.
وأحيانًا كانت حماتي بنفسها تحكي القصة للضيوف وتقول
أنا أغبى قرار عملته في حياتي إني بعت الغسالة.
فأرد عليها لأ يا طنط... ده القرار اللي خلانا نتعلم نحترم بعض.
وتضحك وهي تقول بس برضه لو رجع بيا الزمن، كنت هسيب الغسالة في حالها!
وانتهت الحكاية، لا بمنتصر ولا مهزوم...
لكن بعيلة
النهاية السعيدة لكن لو عايزة نهاية قوية ومفاجئة، ممكن تكون كده
حماتي فضلت عايشة معانا سنتين بعد موضوع الغسالة.
طول السنتين دول كانت بتحاول ترجع كل حاجة زي الأول، لكن مصطفى اتغير فعلًا، وبقى كل مرة يقول لها
دي حياتنا وإحنا أحرار فيها.
ومع الوقت بدأت تتقبل الأمر.
لحد ما في يوم جم إخوات مصطفى واتجمعوا كلهم في البيت.
وفجأة حماتي قالت
أنا عندي حاجة عايزة أعلنها قدام الكل.
الكل سكت.
قامت من مكانها، وطلعت ظرف كبير من الدولاب وحطته قدامي.
فتحته وأنا مستغربة.
لقيت عقد شقة.
باسمي أنا.
بصيت لها مذهولة.
قالت وهي دموعها في عينيها
فاكرة يوم ما بعت غسالتك من غير حق؟
هزيت راسي.
قالت
من يومها وأنا حاسة إني ظلمتك.
وسكتت لحظة ثم كملت
الفلوس اللي أخدتها من بيع أرض أبو مصطفى قبل ما أموت حبيت أعمل بيها حاجة تصلح غلطتي.
الكل اتصدم.
حتى مصطفى نفسه مكانش يعرف.
قالت وهي بتبتسم
الشقة دي هدية ليكي... لأنك رغم كل اللي شوفتيه مني، عمرِك ما خربتي بيت ابني، ولا رديتي الإساءة بإساءة.
ماقدرتش أتكلم.
قمت حضنتها لأول مرة من قلبي.
بعد شهور قليلة، تعبت حماتي جدًا، وقبل ما تمشي من الدنيا بأيام، مسكت إيدي وقالت
سامحيني.
وبكيت أنا قبلها وقلت
مسامحاكي من زمان.
أغمضت عينيها وهي مطمنة.
وبعد وفاتها، وأنا برتب حاجتها، لقيت ورقة صغيرة في
درجها مكتوب فيها
الكنة الكويسة رزق... وأنا اتأخرت
وقتها بس بكيت بجد.
لأن المعارك اللي بدأت بغسالة...
انتهت بأم وبنت، مش بحما وكنة.
تمت.