اتجوزنى على مراته بقلم روماني مكرم
بعد ما سبت البيت، عشت شهور طويلة وأنا بحاول أهرب من الماضي.
كل يوم أصحى وأقول لنفسي: "خلاص، اللي فات مات."
لكن بعض الذكريات ما بتموتش.
في يوم كنت ماشية في السوق، ولمحت بنت شابة واقفة قدام محل ملابس.
أول ما بصيت في وشها، عرفتها.
كانت "مريم"، أكبر بنات مراته الأولى.
كبرت وبقت شابة جميلة ومؤدبة.
قلبي وقع.
فكرت ألف مرة أمشي قبل ما تشوفني.
لكنها شافتني.
وقفت مكاني مستنية منها نظرة كره أو كلمة قاسية.
لكن اللي حصل صدمني.
قربت مني وقالت بهدوء:
"إزيك يا طنط؟"
ما عرفتش أرد.
نزلت دموعي لوحدها.
وقلت:
"سامحيني."
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
"أنا سامحت من زمان."
سألتها وأنا مش مصدقة:
"وأمك؟"
سكتت لحظة وقالت:
"أمي عمرها ما دعت على حد. كانت دايمًا تقول إن ربنا هو العدل."
في اللحظة دي حسيت بثقل سنين كاملة فوق صدري.
عرفت منها إن أمها تعبت كتير بعد الطلاق، واشتغلت أكتر من شغلانة عشان تصرف على البنات.
لكنها نجحت تربيهم أحسن تربية.
واحدة بقت دكتورة.
والتانية مهندسة.
ومريم كانت مدرسة.
رجعت البيت يومها وأنا بفكر في حاجة واحدة:
الست اللي كنت شايفاها ضعيفة ومكسورة، كانت في الحقيقة أقوى واحدة فينا كلنا.
وبعد أسبوع، جمعت شجاعتي وروحت أزورها.
خبطت الباب وأنا مرعوبة.
ولما فتحت...
لقيت نفس الملامح الهادية.
لكن السنين زودتها وقارًا.
بصتلي طويلًا.
وقبل ما أتكلم قلت:
"أنا جاية أطلب السماح."
سكتت شوية.
ثم قالت بهدوء:
"اللي بيني وبينك عند ربنا
وانهمرت دموعي.
لكنها فاجأتني لما فتحت الباب وقالت:
"اتفضلي."
دخلت البيت.
ولأول مرة من سنين حسيت إني قدام إنسانة أكبر من كل الأذى اللي اتعرضتله.
جلسنا ساعات نتكلم.
ومن وسط الكلام قالت جملة فضلت ترن في ودني:
"الإنسان ساعات بيخسر ناس بسبب أخطائه... لكن لو اتعلم من غلطه بصدق، يبقى لسه عنده فرصة يبقى أحسن."
خرجت من عندها وأنا أخف من أي وقت فات.
يمكن الماضي ما بيتصلحش.
ويمكن الجروح ما بتختفيش كلها.
لكن بعض القلوب الكبيرة تعرف تسامح...
وعشان كده بتفضل أكبر من أي ظلم اتعمل فيها. ❤️ومرت الشهور...
وبدأت أزورهم من وقت للتاني.
في الأول كنت بحس إني غريبة وسطهم، لكن أم مريم كانت دايمًا تستقبلني بابتسامتها الهادية.
وفي كل مرة كنت أتعجب أكتر:
إزاي إنسانة اتعرضت لكل ده ولسه قلبها نضيف بالشكل ده؟
وفي يوم وأنا قاعدة معاها في المطبخ بنشرب الشاي، سألتها السؤال اللي كان بيحرقني من سنين:
"إنتِ عمرك ما كرهتيني؟"
بصتلي شوية وقالت:
"كرهتك؟ آه... في الأول زعلت منك جدًا. كنت بشر زي أي حد. لكن الكره كان هيأكلني أنا قبل ما يأذيكي."
سكتت ثم أكملت:
"لما الإنسان يسيب حقه لربنا، بيعيش مرتاح."
نزلت دموعي مرة تانية.
وفي اللحظة دي دخلت حفيدتها الصغيرة تجري عليها وتقول:
"تيتا... تيتا!"
شالتها وحضنتها وهي بتضحك.
وكان واضح إن البيت كله مليان حب ودفا.
وقتها فقط فهمت حاجة مهمة...
السعادة الحقيقية ما كانتش في إن حد يكسب على حساب حد.
ولا في
ولا في إنسان يشوف نفسه أعلى من غيره.
السعادة كانت في القلب اللي يفضل نضيف رغم كل الوجع.
بعد سنة تقريبًا، سمعت خبر هزني.
أم مريم تعبت جدًا.
ولما رحت المستشفى أشوفها، لقيتها نايمة على السرير بابتسامتها المعتادة.
مسكت إيدها وقلت:
"أنا عمري ما هقدر أوفيكي حقك."
ابتسمت وقالت بصوت ضعيف:
"كفاية إنك عرفتي غلطك."
وبعدين طلبت مني طلبًا غريبًا.
قالت:
"خلي بالك من البنات لو جرالي حاجة."
انفجرت في البكاء.
وهزت رأسها وهي تبتسم.
وبعد أيام قليلة...
رحلت.
رحلت بهدوء زي ما عاشت.
وفي يوم جنازتها، كان المشهد مؤثرًا بشكل ما يتوصفش.
بناتها.
أحفادها.
جيرانها.
وكل الناس اللي عرفوها.
الكل كان بيبكي عليها بصدق.
وقفت بعيد أراقب المشهد.
وعرفت وقتها إن الإنسان مش بيتقاس بفلوسه ولا بجماله ولا حتى بانتصاراته.
الإنسان بيتقاس بالأثر اللي بيسيبه في قلوب الناس.
أما أنا...
ففضلت سنين طويلة أزور بناتها وأحاول أعوض جزءًا صغيرًا من اللي ضاع.
وعمري ما نسيت المرأة التي ظننت يومًا أنها ضعيفة...
ثم اكتشفت متأخرًا أنها كانت أقوى وأشرف شخص قابلته في حياتي كلها. 🌷
تمت.نهاية بديلة مؤثرة:
وقفت قدام قبرها بعد سنين طويلة، ومعايا وردة بيضا كنت بجيبها كل سنة في نفس اليوم.
ركعت على الأرض وهمست:
"سامحيني... سامحيني على كل دمعة نزلت بسببى."
وفجأة سمعت صوت ورايا.
التفتّ لقيت مريم وباقي أخواتها.
اتوترت وافتكرت إنهم أكيد لسه شايلين مني.
لكن
"أمي سامحتك قبل ما تموت."
بصيت لها وأنا مش مصدقة.
طلعت ورقة مطوية من شنطتها وقالت:
"دي وصية أمي."
فتحت الورقة وإيديا بترتعش.
وكان مكتوب فيها:
"لو في يوم الست دي وقفت قدامكم ندمانة، متقابلوهاش بالكره. الإنسان بيغلط، وربنا وحده هو اللي بيحاسب. وأنا مسامحة من قلبي كل واحد ظلمني."
انهرت من البكاء.
لأول مرة من سنين حسيت إن الحمل اللي فوق صدري بدأ يخف.
رجعت مريم تكمل:
"أمي كانت بتقول إن أكبر انتصار مش إنك تكسري حد... أكبر انتصار إنك تقدري تسامحي."
بعدها بشهور، قررت أبيع كل الذهب اللي كنت بتفاخر بيه زمان.
وفتحت جمعية خيرية صغيرة باسمها لمساعدة الأرامل واليتامى.
كل ست محتاجة كنت بشوف فيها صورتها.
وكل بنت يتيمة كنت بشوف فيها بناتها.
وفي يوم الافتتاح، علقت صورة كبيرة ليها على الحائط.
وتحت الصورة كتبت جملة واحدة:
"هنا بدأت رحلة التكفير عن ذنب لن أنساه ما حييت."
ومع مرور السنين، بقى المكان ملجأ لعشرات السيدات والأطفال.
ولأول مرة في حياتي فهمت معنى الراحة.
مش الراحة اللي كنت فاكراها يوم طُلقت هي.
ولا الراحة اللي حسيتها لما اتولدت ابني.
لكن راحة الإنسان لما يعترف بخطئه ويحاول يصلحه.
وفي آخر يوم من عمري، وأنا على سرير المرض، طلبت أشوف بناتها.
دخلوا عليّ كلهم.
ابتسمت وقلت بصوت ضعيف:
"قولوا لأمكم... إني فضلت أعتذر لحد آخر نفس."
ردت مريم والدموع في عينيها:
"وصلها... وربنا غفر، وهي سامحت."
وأغمضت
بعد رحلة طويلة تعلمت فيها أن الظلم قد يمنح صاحبه لحظة انتصار...
لكن العدل وحده هو الذي يمنح القلب السلام.
النهاية.