اقنع ابنى الأكبر اخواته بارسالى إلى دار الرعايه للمسنين
أقنع ابني الأكبر إخوته بإرسالي إلى دار رعاية للمسنين من دون أن يخبرني بشيء . لكن في اليوم الذي جاؤوا فيه ليأخذوني، كنت قد أنهيت بالفعل بيع بيت العائلة الذي كنت أعيش فيه... من دون أن يعلم أيٌّ منهم.
لدي ثلاثة أبناء.
حيدر، الابن الأكبر، يبلغ من العمر واحدًا وخمسين عامًا، ومنذ وفاة والده قبل ست سنوات اعتاد أن يتحدث باسم الجميع، وكأن أخويه ليسا سوى امتداد لرأيه وقراراته.
وسناء، ابنتي ذات الثمانية والأربعين عامًا، امرأة طيبة القلب، لكنها كانت تخشى حيدر بطريقة لم أفهمها يومًا.
أما الأصغر، كرار، فيبلغ من العمر أربعة وأربعين عامًا، ويعيش في محافظة أخرى، ويتصل كل يوم جمعة تقريبًا بانتظام لا يتغير، لكن حديثه غالبًا لا يتجاوز المجاملات المعتادة.
أما أنا...
فأعيش وحدي في البيت الذي ربّيت فيه أولادي الثلاثة.
بيت كبير بالنسبة لامرأة تعيش وحدها، نعم.
لكنه بيتي.
أعرفه كما أعرف كف يدي.
أعرف أي درجة في السلم تصدر صوتًا عند الصعود.
وأعرف أن الثلاجة تصدر طنينًا غريبًا في بعض الليالي دون سبب مفهوم.
وأعرف أن أشجار الحديقة الخلفية تحتاج إلى السقي يومي الثلاثاء والجمعة.
قبل أربعة أشهر تقريبًا بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا في زيارات حيدر.
صار يأتي أكثر من المعتاد.
ويسألني باستمرار عن أمور تخص حياتي اليومية.
هل أستطيع الذهاب إلى السوق وحدي؟
هل أتذكر مواعيد الأدوية؟
هل أواجه صعوبة
كانت أسئلة تبدو طبيعية في ظاهرها.
لكن تكرارها وطريقة طرحها جعلا داخلي يشعر بأن وراءها شيئًا آخر.
أنا امرأة ربّت ثلاثة أبناء.
وأعرف ملامحهم منذ لحظة ولادتهم.
وأعرف متى يخفون شيئًا.
وفي إحدى المرات سألته مباشرة
هل هناك شيء تريد أن تخبرني به؟
ابتسم وقال
أبدًا يا أمي... أنا فقط قلق عليك.
اكتفيت بالنظر إليه.
لكن شكوكي لم تختفِ.
بعد أيام اتصل كرار.
وكانت المكالمة مختلفة.
أطول من المعتاد.
سألني إن كنت أشعر بالأمان وأنا أعيش وحدي.
وسألني إن كنت فكرت يومًا في حلول للمستقبل عندما تصبح الأمور أكثر صعوبة.
كانت كلماته مرتبة أكثر من اللازم.
وكأن شخصًا ما حضّر له الحديث مسبقًا.
بعد أن أنهى المكالمة...
أمسكت الهاتف واتصلت بسناء.
تأخرت كثيرًا قبل أن ترد.
وعندما ردت...
سمعت في صوتها ذلك الارتباك الذي أعرفه جيدًا.
صوت شخص يعرف شيئًا ويحاول إخفاءه.
قلت لها مباشرة
ماذا تخططون؟
ساد صمت طويل.
ثم قلت
أعطيك فرصة لتخبريني بنفسك قبل أن أعرف الأمر بطريقة أخرى.
تنهدت سناء.
ثم قالت بصوت مرتجف
حيدر وجد دار رعاية جيدة للمسنين.
شعرت بأن قلبي تجمد للحظة.
وأكملت
جلسنا نحن الثلاثة وتحدثنا بالأمر.
ونعتقد أن هذا أفضل حل لك.
كنا سنأتي السبت القادم لنشرح لك الموضوع ونساعدك على الانتقال.
سألتها
وهل فكر أحد منكم أن يسألني قبل أن يقرر مصيري؟
لم تجب.
فهمت الجواب من صمتها.
قلت لها بهدوء
أشكرك لأنك كنتِ صادقة معي.
تصبحين على خير.
وأغلقت الخط.
جلست وحدي في مطبخ بيتي.
المطبخ نفسه الذي تناول فيه أولادي فطورهم لسنوات طويلة.
المطبخ الذي كان حيدر يحل واجباته المدرسية على طاولته.
والذي بكت فيه سناء ذات ليلة بعد أول خيبة عاطفية مرت بها.
والذي تعلم فيه كرار إعداد البيض المقلي بالطريقة نفسها التي ما زال يستخدمها حتى اليوم.
جلست هناك وقتًا طويلًا.
طويلًا جدًا.
ثم نهضت.
وأمسكت الهاتف.
واتصلت بسيف.
ابن صديقة قديمة لي.
يعمل في مجال العقارات منذ سنوات.
وأثق به كثيرًا.
قلت له
أريد بيع البيت.
الأمر مستعجل.
أخبرني ما الذي يمكن فعله بسرعة.
قال لي
إذا كانت الأوراق جاهزة فبإمكاننا إيجاد مشترٍ خلال أسبوعين تقريبًا.
قلت له
لنبدأ غدًا.
وبالفعل...
تم بيع البيت خلال ستة عشر يومًا فقط.
بسعر عادل.
وبإجراءات سلسة.
لأن جميع أوراقي كانت مرتبة منذ سنوات.
وهو أمر علمني إياه زوجي رحمه الله.
وما زلت أشكره عليه حتى اليوم.
بعد البيع فعلت ثلاثة أشياء.
اشتريت شقة صغيرة وحديثة في الحي نفسه.
شقة فيها مصعد وكل شيء يعمل كما يجب.
وسجلتها باسمي وحدي.
ثم استثمرت بقية المال بطريقة قانونية ومدروسة بمساعدة سيف.
وأخيرًا استعنت بمحامية لتحديث وصيتي.
وصارت أغلب ممتلكاتي مخصصة لمؤسسة خيرية تهتم بكبار السن المحتاجين.
وجاء يوم السبت.
ووصل أبنائي الثلاثة.
دخل حيدر وهو
ودخلت سناء وعيناها ممتلئتان بالدموع قبل أن تتحدث.
أما كرار فبدا كمن قطع مئات الكيلومترات من أجل محادثة لا يريد خوضها أصلًا.
استقبلتهم بهدوء.
وقدمت لهم القهوة.
وجلست أنتظر.
وبدأ حيدر يتحدث.
تحدث خمس عشرة دقيقة كاملة.
عن سلامتي.
وعن الأمان.
وعن صعوبة أن تعيش امرأة في عمري وحدها.
وعن دار الرعاية التي اختاروها.
وكم هي جميلة.
وكم تحتوي على مساحات خضراء.
وكيف سيزورونني باستمرار.
تركته ينهي كلامه كله.
ثم وضعت فنجان القهوة على الطاولة.
وقلت بهدوء
هذا البيت لم يعد ملكي.
تجمدت الوجوه أمامي.
وأكملت
بعته قبل ستة عشر يومًا.
وأسكن الآن في شقة جديدة تبعد ثماني بنايات من هنا.
وأموالي أصبحت منظمة.
ووصيتي تم تحديثها.
لم ينطق أي واحد منهم بكلمة.
كانت الصدمة واضحة في أعينهم.
ثم نظرت إلى حيدر مباشرة وقلت
أنت قررت أن الوقت حان لإرسالي إلى دار رعاية من دون أن تسألني.
وأنا قررت أن الوقت حان لترتيب حياتي من دون أن أطلب إذنك.
كلانا اتخذ قرارات هذا الأسبوع.
لكن الفرق أن قراري كان يشملني أنا أيضًا.
حاول حيدر أن يتكلم.
فرفعت يدي قليلًا وأكملت
من الآن فصاعدًا لن تُتخذ أي قرارات تخص حياتي من دون حضوري.
وإذا أردتم أن تبقى بيننا علاقة...
فستكون علاقة بين بالغين يتشاورون مع بعضهم.
لا علاقة بين أبناء يبلغون أمهم بما قرروه عنها مسبقًا.
بدأت سناء تبكي.
أما كرار
لم أطردهم.
شربنا القهوة.
وتحدثنا في أمور أخرى.
لكن الحديث الذي جاء حيدر من أجله لم يحدث أبدًا.
لأنه لم يعد هناك شيء يحتاج إلى