مرات ابويا

لمحة نيوز


بهدوء
متخافيش يا فرح الظلام ده كان موجود من زمان بس إنتِ أول مرة تحسيه.
قلبي كان بيخبط لدرجة وجع في صدري.
منى همست بصوت متقطع
اقفلي الباب اقفليه حالًا
بس الباب كان مفتوح أصلًا.
وأي حركة دلوقتي هتكون زي إعلان وجودنا.
وفجأة
صوت ورق بيتقلب.
من نفس مكان الصندوق.
كأن حد شايف الرسالة اللي معايا في الضلمة.
الراجل كمل
الورقة اللي في إيدك مش كاملة.
صمت.
وبعدين خطوة تانية أقرب.
في صفحة اتشالت منها عمدًا لأنها لو اتقرت وقتها كنتِ هتفهمي كل حاجة وإنتِ لسه طفلة.
منى شدّت دراعي بقوة.
بلاش تسمعيه ده بيحاول يلعب في دماغك!
لكن الصوت كمل وكأنه سامعنا الاتنين
منى إنتِ عارفة إني عمري ما كذبت عليكِ في حاجة واحدة
سكوت تاني.
وبعدين جملة أخطر
إلا في الليلة دي.
الصمت اللي بعد الجملة دي كان تقيل لدرجة إن الأوضة كأنها اتقفلت علينا من تاني بس المرة دي من غير باب.
وفجأة
نور ضعيف جدًا طلع من تحت الباب.
نور مش كهربا.
نور زي لمبة قديمة بتتفتح من نفسها.
ووسطه
ظهر ظل تالت واقف في آخر الأوضة.
ماكانش شبه حد من الاتنين.
بس كان ماسك حاجة في إيده
كأنها ورقة تانية.
والصوت قال آخر جملة قبل ما كل حاجة تهدى
لو فرح شافت الورقة دي مش هتقدر ترجع لنفس حياتها أبدًا الورقة اللي وقعت من جوه الرسالة كانت أقدم من الأولى
حوافها متآكلة، وكأنها اتقفلت عليها سنين في مكان ما مش بيتفتح.
بس السطر اللي فيها ما كانش محتاج شرح.
الطفلة التي خرجت من المستشفى لم تكن فرح التي وُلدت في نفس اللحظة.
إيدي وقعت الورقة غصب عني.
رجلي ما بقتش قادرة تشيلني.
منى مسكتني بسرعة، لكن حتى إيدها كانت بتترعش.
أنا حاولت أحميكي من اليوم ده من اللحظة دي بالذات قالتها وهي بتبص في الأرض.
بصيتلها
تحميني من إيه؟ أنا مين أصلًا؟!
الصوت اللي في الأوضة رجع تاني، أقرب أهدى كأنه واقف ورا ضهري مباشرة
إنتِ فرح بس مش فرح

اللي اتولدت في الورق الأصلي.
لفّيت بسرعة.
مفيش حد.
لكن حسّيت بحاجة واحدة مرعبة
إنه مش محتاج يكون ظاهر.
الصوت كمل
يوم الولادة كان فيه طفلين بس واحد بس اللي خرج باسم.
قلبي اتقبض.
منى قعدت على الأرض فجأة، كأنها فقدت قوتها
كفاية بلاش تكمل
بس أنا كنت خلاص مش سامعة غير دقات قلبي.
خطوة بطيئة اتسمعت في السلم بس المرة دي جاية من فوق.
من نفس الأوضة اللي لسه إحنا فيها.
بصيت لفوق.
الظل رجع تاني.
بس المرة دي واقف في نفس الأوضة.
قريب جدًا.
والمرعب أكتر
إنه كان شايل في إيده بطاقة صغيرة قديمة جدًا.
بطاقة مستشفى.
ورفعها ناحية نور ضعيف جا من تحت الباب
وكتب عليها بان قدامي بوضوح
المولود الثاني غير مسجل.
منى بصتلي بعينين مليانة رعب
إنتِ مش فاكرة حاجة من أول يوم عشان مفيش حاجة اسمها أول يوم ليكي هنا بالشكل ده.
وساعتها
الصوت قال الجملة الأخيرة قبل ما كل حاجة تسكت
افتكري نفسك الحقيقية يا فرح قبل ما البيت يختار ينسى واحدة منكم للأبد.
والنور كله انطفى مرة واحدة المفتاح وهو بيلف في الباب كان بيصدر صوت معدني خافت كأنه حد بيجرّب يفتح مش باب، لكن قرار.
تك
تك
كل لفة كانت بتقرب النهاية.
أنا مش عارفة أبص على الباب ولا على الورقة اللي على الأرض ولا على منى اللي شكلها بدأ ينهار.
وفجأة
المفتاح وقف.
سكون.
وبعدين الباب اتفتح تاني بالكامل.
بس المرة دي
مفيش ظل.
مفيش رجل واقف.
فاضي.
الفراغ اللي على السلم كان أعمق من الظلام نفسه.
منى همست بصوت مبحوح
هو مش محتاج يظهر هو كده خلص اللي عايزه.
قربت منها بسرعة
تقصدِي إيه؟ مين هو؟
ما ردتش.
عينها كانت على الورقة اللي على الأرض.
كأنها بتتجنب تبصلي في وشي.
وفجأة
الصوت رجع تاني، بس المرة دي جاي من كل اتجاه في نفس الوقت من السقف، من الجدران، من الباب المفتوح
اقري الورقة يا فرح.
إيدي ارتعشت.
الورقة كانت أقرب مني من أي حاجة كأنها
مستنياني أنا بس.
خطوة.
وبعدها خطوة تانية.
وانحنيت.
مسكتها.
منى صرخت
ما تقريهاش!
لكن كان متأخر.
فتحتها.
وفي اللحظة دي
البيت كله كأنه سحب نفس عميق فجأة.
والسطر الأول ظهر قدامي
في يوم الولادة، لم يحدث موت بل حدث استبدال.
الدنيا وقفت.
إيدي اتجمدت على الورقة.
صوت منى اتكسر
يا ريتك ما عرفتي
ورقة تانية وقعت من جواها، كانت متخبّية.
فتحتها وهي في إيدي من غير ما أحس.
وسطر واحد بس فيها خلاني أرفع عيني ببطء
نحو الفراغ اللي على السلم
وأنا ببدأ أفهم إن أبويا اللي واقف تحت ما كانش بيحكي النهاية.
كان بيسترد البداية الظلام رجع بس المرة دي ما كانش نفس الظلام الأول.
ده كان صمت مرئي.
كأن الأوضة فضيت من أي إحساس بالحياة.
لا نفس.
لا حركة.
حتى صوت دقات قلبي كان بيختفي ويرجع بشكل متقطع، كأني مش جوا جسمي.
إيدي لسه ماسكة الورقة بس ما بقيتش حاسة بيها.
منى اختفت من مكانها.
مش معنى إنها خرجت لا.
كأنها اتشالت من المشهد نفسه.
وقفت لوحدي.
وفجأة
حسّيت بحاجة بتتفتح جوا راسي.
زي باب قديم بيتزق من جوه.
صور متقطعة بدأت تيجي
إضاءة بيضا قوية
صوت أجهزة مستشفى
صوت صريخ طفلين في نفس اللحظة
وبعدين
صوت ست بتقول
مش هينفع يعيشوا الاتنين باسم واحد
رجعت للواقع مرة واحدة.
وهنا الورقة اللي في إيدي اتقلبت لوحدها.
من غير ما ألمسها.
والسطور اللي كانت فاضية ظهر فيها كتابة جديدة كأنها بتتكتب قدامي
لو وصلتي هنا، يبقى الذاكرة بدأت ترجع.
رجعت خطوة لورا.
لكن الأرض ما كانتش زي ما هي.
كانت أبرد وأنعم كأنها أرض مش بيت.
الصوت رجع تاني، بس المرة دي جاي من جوايا أنا
فرح أو الاسم اللي اتاخد منك
مسكت دماغي.
الألم كان حقيقي.
وفي لحظة واحدة
افتكرت.
مش ذكريات كاملة
لكن إحساس
إن في حد كان ماسك إيدي غير منى
وإن في سرير مستشفى كان فيه طفلين
وإن في قرار اتاخد بسرعة وخوف ودموع
وفجأة
باب الأوضة اتفتح
من تاني لوحده.
والنور رجع بشكل خافت جدًا.
منى واقفة على العتبة.
بس وشها كان مختلف.
مش وشها اللي أعرفه.
كانت بتبصلي وكأنها بتشوفني لأول مرة أو آخر مرة.
وقالت بصوت واطي
دلوقتي لازم تختاري.
سكتت لحظة.
وبعدين كملت
هترجعي تكوني فرح
ولا هتكملي اللي كان لازم يطلع من الأول؟السكوت اللي بعد سؤال منى كان أطول من أي إجابة ممكن تتقال.
هترجعي تكوني فرح ولا هتكملي اللي كان لازم يطلع من الأول؟
الكلمات ما كانتش سؤال كانت بابين مفتوحين في نفس اللحظة.
بصيت حواليّ.
الأوضة بدأت ترجع شكلها الحقيقي تدريجيًا
الصندوق القديم السرير الورق نور ضعيف طبيعي.
لكن جوايا، كل حاجة كانت بتتغير.
الذكريات اللي بدأت ترجع ما كانتش بتقول إن في كذب
كانت بتقول إن في خوف.
خوف خلّى ناس تختار الصمت بدل الحقيقة.
منى خدت خطوة ناحيتي.
دموعها نازلة بس صوتها ثابت لأول مرة
أنا ما خدتكيش من أمك أنا حاولت أكمّل وعدها.
سكتت.
وبعدين قالت الحقيقة اللي كانت مدفونة من أول لحظة
سلوى ما ماتتش بس وقت الولادة هي اختارت إن اسم واحد بس يعيش في الورق عشان تنقذ التانية.
بصيت لها مش فاهمة.
تانية؟
هزت راسها.
إنتي كان ليكي توأم يا فرح
الدنيا سكتت.
مش مجازًا فعليًا.
حتى الصوت في البيت اختفى.
منى كملت بصوت مكسور
واللي خرج باسمك وقتها ما كانش قرار مستشفى كان قرار أم.
سكتت لحظة.
وبعدين أشارت للصندوق
وأبوك قضى عمره بيحمي الحقيقة دي مش عشان يخبيها عنك عشان ما تضيعكيش إنتِ الاتنين.
بصيت على الصور.
الصورة اللي فيها أبويا وأمي ومنى.
بس المرة دي، عيني شافت حاجة مختلفة
في زاوية الصورة
كان فيه طفلة تانية صغيرة جدًا شبهّي واقفة جنبهم.
مكتوبة بخط
صغير تحتها
فرح و
الكلمة التانية كانت ممسوحة.
كأن حد حاول يمحي اسمها من الوجود.
اتخد نفس عميق جوه الأوضة.
ومن بعيد صوت طفل بيضحك خفيف.
مش جاي من الشارع.
من البيت.
لفيت
ورايا.
ومنى همست آخر جملة
هي ما راحتش هي بس استنت إنك تفتكريها.
وفي اللحظة دي
حسّيت بإيد صغيرة بتلمس إيدي لأول مرة.
من غير ما أشوف صاحبها.
بس عارفة.
دي مش نهاية قصة فرح
دي بداية حياة اتقسمت نصين ورجعت تتقابل تاني.

 

تم نسخ الرابط