يوم ما ولدت
كنت لسه بنزف وتعبانة من الولادة لما شريف، جوزي، دخل عليا أوضة المستشفى ومعاه ست غريبة، شكلها رسمي وبارد، شايلة شنطة بيركين سودا وكأنها داخلة اجتماع مهم مش واقفة قدام ست لسه والدة.
رما ورق الطلاق على السرير وقال ببرود مستفز
بصي لنفسك في المراية... خلاص مفيش حد هيكمل معاكي بعد كده.
التلات توائم كانوا نايمين في السراير الصغيرة، وانا جسمي منهك من الولادة، ودموعي واقفة في عيني من الصدمة مش قادرة أنزلها.
الست اللي معاه بصتلي من فوق لتحت وقالت بنبرة تقيلة
هو اختار يبدأ حياته بشكل مختلف... وده قرار لازم يتنفذ بسرعة.
كلامها كان زي السكينة، بس اللي وجعني أكتر كان هدوءه هو كأنه شايلني من حياته ورماني في لحظة من غير ولا ذرة تردد.
رميت نظري على الورق طلب طلاق، وتنازل عن الحضانة، وكأن حياتي كلها اتحولت لبنود في عقد متكتب بعناية.
سألته بصوت مكسور
يعني كل ده وانا لسه والدة؟
رد ببرود
الظروف مش هتستنى تعبك يا منى.
في اللحظة دي، الممرضة اللي كانت واقفة عند الباب اتجمدت من الصدمة، وهو لمحها فغيّر نبرة صوته بسرعة وقال بابتسامة مصطنعة
معلش موضوع عائلي بسيط.
وبعد ما خرجوا، فضلت قاعدة مكاني، باصة للورق، مش مستوعبة.
اتصلت بأهلي وأنا بعيط
أنا غلطت كان عندكم حق من الأول.
أمي سكتت ثواني، وبعدين قالت بصوت هادي
العيال
كويسين يا أمي...
رد أبويا دخل في الخط وقال بهدوء تقيل
خلي دموعك النهارده، وبكرة يبدأ الصح.
قفلت التليفون وأنا مش فاهمة جملة واحدة بس
هم كانوا بيجهزوا للي جاي وأنا لسه فاكرة إني لوحدي.
وشريف كان فاكر إن الورق ده نهاية القصة.
بس اللي ما كانش يعرفه إن البداية الحقيقية لسه ما بدأتش قعدت على السرير وأنا حاسة إن المستشفى كلها بقت ساكتة فجأة حتى صوت الأجهزة اللي جنب التوائم كان بيبان أعلى من الطبيعي.
مفيش غير جملة واحدة بتتكرر في دماغي
بكرة يبدأ الصح
بس الصح إزاي وأنا متبهدلة بالشكل ده؟ وأنا لوحدي؟ وهو واخد كل حاجة في إيده؟
مسحت وشي بسرعة وبصيت للتلاتة الصغيرين كانوا نايمين كأنهم مش مدركين إن حياتهم اتشقّت نصين في يوم واحد.
وفجأة الباب اتفتح تاني.
بس المرة دي مش شريف.
دخل ممرض كبير في السن ومعاه ظرف أبيض، وقف لحظة وبعدين قال
حضرتك مدام منى؟ في حاجة لازم تتسلم ليكي بإمضائك.
قلبي وقع.
إمضائي على إيه تاني؟ مش كفاية اللي حصل؟
رد بهدوء
دي أوراق دخول من جهة رسمية ومكتوب عليها اسم والدك.
في اللحظة دي، إيدي ارتجفت.
أبويا؟
فتحت الظرف بسرعة وعيوني جريت على أول سطر.
تم تجميد أي تصرف قانوني على الأملاك المشتركة لحين التحقيق في إجراءات نقل الملكية الأخيرة.
رفعت راسي بصدمة.
إيه ده؟
الممرض هز كتفه
في محامي
وقبل ما أسأله أي حاجة سمعنا دوشة بره المستشفى.
صوت خطوات كتير سريعة منظمة مش بتاعة زيارة عادية.
الممرضة اللي واقفة عند الباب دخلت جري وهي بتقول
في ناس بره بيقولوا من طرف والد حضرتك.
قلبي دق.
مشيت ناحية الشباك بصعوبة وبصيت.
في الشارع قدام المستشفى، عربيات سودا واقفة بشكل يخلّي أي حد يفهم إن الموضوع مش عادي.
وبينهم راجل واقف بثبات، ماسك عصاية خفيفة في إيده، وبيبص على المبنى كأنه بيقيسه بعقله قبل ما يتحرك.
همست
بابا
وفي نفس اللحظة تليفوني رن.
اسم أبويا.
رديت بسرعة، وصوتي بيتهز
إيه اللي بيحصل؟
جاله صوته هادي جدًا أخطر هدوء ممكن تسمعه
متخافيش يا بنتي إنتي دلوقتي في مكانك الصح.
سكت ثانيتين وبعدين كمل
بس اللي حصل مش هيعدي كده.
وبس.
قفل.
رجعت أبص من الشباك تاني ولقيت الحركة بدأت.
رجالة داخلين المستشفى بهدوء شديد مش صريخ ولا هزار.
بس كل واحد فيهم واضح إنه جاي لهدف واحد.
وساعتها بس فهمت
شريف ما كانش بيبدأ حياة جديدة.
هو كان بيفتح باب
وأهلي هم اللي داخلين منه دلوقتي وقفت عند الشباك ومش قادرة أصدق اللي بشوفه
الرجالة اللي دخلوا المستشفى ما كانوش بيجروا ولا بيعملوا دوشة بالعكس، كل خطوة محسوبة، وكل حركة فيها هدوء مخيف أكتر من أي صريخ.
الممرضة رجعت لورا بخوف
وفي اللحظة دي الباب اتفتح تاني.
دخل شاب لابس بدلة بسيطة، ماسك ملف سميك، وبص ناحيتي مباشرة وقال بهدوء
مدام منى أنا محامي والدك.
اتسمرت مكاني.
محامي مين؟
قرب مني خطوة وقال
والدك بعتني من أول ما بلغتيه وكل حاجة كانت بتتجهز من بدري، بس استنينا اللحظة الصح.
حسيت إن الأرض بتسحبني.
يعني إيه بتتجهز من بدري؟ أنا اللي حصل لي النهارده فجأة!
فتح الملف قدامي وقال
مش فجأة في تصرفات قانونية حصلت في الشهور اللي فاتت. نقل ملكية، توقيعات، وإثباتات كلها محتاجة مراجعة.
وقبل ما أستوعب، سمعنا صوت عالي برا المستشفى.
مرة واحدة الجو اللي كان هادي اتحول لحالة استنفار.
المحامي لف بسرعة ناحية الباب وقال
بدأوا يتحركوا زي ما توقعنا.
قلبي دق بسرعة
مين اللي بدأ يتحرك؟!
ما ردش.
بس اللي رد كان صوت خطوات تقيلة في الممر.
خطوات جاية ناحيتنا.
الباب اتفتح فجأة، ودخل شريف.
بس المرة دي مكنش لوحده
كان وشه متغير تمامًا، مفيهوش أي ثقة ولا سخرية زي الأول.
بص للمحامي وبعدين ليا وقال بصوت واطي لأول مرة
إيه اللي بيحصل هنا؟
المحامي رد بهدوء قاتل
اللي بيحصل إن كل حاجة اتراجعت واللي اتبنى على استعجال، بيقع بسرعة.
شريف ضحك ضحكة قصيرة متوترة
وقعت إيه؟ ده كله مجرد ورق!
في اللحظة دي المحامي فتح الملف
مش مجرد ورق.
سكت ثانية وبعدين قال
ده بلاغ رسمي بفتح تحقيق في نقل أملاك بدون علم