يالهوي.. بنتي المراهقة وجوزي بدأوا فجأة ينزلوا بالليل متأخر بحجة إنهم رايحين "يجيبوا آيس كريم

لمحة نيوز


لها.
عن خوفه عليها.
وعن أمنيته أن تكبر قوية وطيبة.
عندما انتهت من القراءة كانت دموعها تسيل بصمت.
ثم أغلقت الرسالة ونظرت إلى مصطفى.
وقالت
عارف؟
ابتسم لها.
فأكملت
يمكن يكون هو أبويا اللي جابني للدنيا...
ثم أمسكت يد مصطفى بقوة وأضافت
بس إنت أبويا اللي رباني.
عندها لم يستطع مصطفى أن يمنع دموعه.
ولا أنا.
ولا حتى نادية.
لأن بعض الروابط يصنعها الدم...
لكن أقوى الروابط أحيانًا يصنعها الحب والسنوات والمواقف التي لا تُنسى. 
تمت مرّت شهور بعد اكتشاف الرسائل.
رجعت الحياة لطبيعتها تدريجيًا.
المشغل بدأ يشتغل كويس، وملك بقت تساعدني بعد المدرسة، ومصطفى كان كل يوم يمر علينا بحجة إنه بيطمن على الشغل، بينما إحنا كلنا عارفين إنه بيحب يشوف حلمنا وهو بيتحقق قدامه.
لكن في أحد الأيام، وبينما كنت أرتب الأوراق القديمة التي وجدناها في الصندوق، سقطت صورة صغيرة من بين صفحات أحد الدفاتر.
كانت صورة باهتة جدًا.
فيها والد ملك وهو واقف أمام مبنى قديم، وبجانبه رجل آخر.
في البداية لم أهتم.
لكن لما قلبت الصورة من الخلف، لقيت كتابة بخط يده
إذا حدث لي شيء، فهذا الرجل يعرف كل الحقيقة.
تجمدت في مكاني.
وأعدت قراءة الجملة أكثر من مرة.
كل الحقيقة؟
أي حقيقة؟
ظننت أننا عرفنا

كل شيء بالفعل.
في المساء عرضت الصورة على نادية.
وما إن رأتها حتى شحب وجهها.
همست
مستحيل...
سألتها بسرعة
تعرفيه؟
أومأت برأسها ببطء.
وقالت
ده شريكه القديم.
وكان في مشاكل بينهم؟
سكتت لحظة طويلة ثم قالت
لا... المشكلة إنه اختفى في نفس الفترة تقريبًا.
ساد الصمت.
ملك كانت جالسة تسمع الكلام وعيناها متسعتان.
قالت
يعني لسه فيه حاجات إحنا منعرفهاش؟
ردت نادية
يمكن.
بعد أيام قليلة، حدث شيء أغرب.
وصل إلى المشغل ظرف بدون اسم مرسل.
فتحته بحذر.
في داخله ورقة واحدة فقط.
مكتوب عليها
توقفوا عن البحث في الماضي.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
وفي الأسفل كانت هناك جملة ثانية
بعض الأسرار دُفنت لسبب.
نظرت إلى مصطفى.
فأخذ الورقة من يدي وقرأها عدة مرات.
ثم قال بهدوء
الرسالة دي معناها إن حد عارف إننا بندور.
قالت ملك بتوتر
هو إحنا في فيلم ولا إيه؟
حاولنا نضحك، لكن الحقيقة أن القلق بدأ يتسلل إلينا جميعًا.
وفي تلك الليلة، بينما كنا نغلق المشغل، لمح مصطفى سيارة سوداء متوقفة على الجانب الآخر من الشارع.
كانت هناك منذ أكثر من ساعة.
وعندما نظر إليها مباشرة...
تحركت ببطء وغادرت المكان.
نظر إليّ ثم إلى ملك.
وقال
واضح إن القصة لسه ما خلصتش.
أما ملك، فابتسمت رغم التوتر وقالت
من
خروجات الآيس كريم لرسائل غامضة وسيارات بتراقبنا... حياتنا بقت أغرب من المسلسلات.
لكنها لم تكن تعرف...
أن المفاجأة الحقيقية كانت ما تزال في الطريق.
يتبع... في صباح اليوم التالي، حاولنا نتعامل مع الموضوع على إنه مجرد مزحة ثقيلة أو رسالة من شخص لا يريد لنا نبش الماضي.
لكن مصطفى لم يكن مرتاحًا.
خرج مبكرًا وأخذ معه صورة الرجل الغامض التي وجدناها.
وبعد ساعات عاد وعلى وجهه تعبير لم أره من قبل.
سألته فورًا
في إيه؟
جلس ببطء وقال
لقيت حد يعرف الراجل اللي في الصورة.
تبادلنا النظرات.
أما ملك فتركت هاتفها فورًا وقالت
وبعدين؟
تنهد مصطفى وقال
الراجل ده عايش... ولسه موجود.
ساد الصمت.
نادية وضعت يدها على فمها من شدة المفاجأة.
أما أنا فشعرت بأن قلبي يدق بعنف.
كل هذه السنوات كنا نظن أن الخيوط انقطعت.
وفجأة يظهر شخص قد يعرف ما حدث بالفعل.
بعد يومين، اتفقنا على مقابلته.
كان يعيش في بلدة صغيرة هادئة.
رجل في أواخر الستينيات من عمره، شعره أبيض بالكامل تقريبًا.
عندما رأى الصورة، ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم ابتسم بحزن.
وقال
مرت سنين طويلة...
جلسنا أمامه ننتظر.
ثم قال
أنتم جايين تسألوا عن والد ملك، صح؟
أومأنا جميعًا.
فأخذ نفسًا عميقًا وأكمل
الحقيقة إن معظم اللي
عرفته الأسرة كان ناقص.
تسمرت ملك في مكانها.
وقال الرجل
والدك أخطأ في حاجات كثيرة، لكنه كان يحبك جدًا.
نظرت ملك إلى الأرض بصمت.
ثم أخرج الرجل صندوقًا خشبيًا صغيرًا من خزانته.
وقال
كان عندي أمانة أوصلها يوم يظهر حد من عيلته.
فتح الصندوق.
وجدنا بداخله ساعة يد قديمة، ومجموعة صور، ومفكرة صغيرة.
لكن أهم ما كان فيه رسالة أخيرة.
قرأناها معًا.
لم تكن رسالة مليئة بالأسرار أو الثروات أو المفاجآت الكبرى.
بل كانت اعترافًا بسيطًا
أنه كان إنسانًا عاديًا، أخطأ وأصاب، وخسر أشياء كثيرة في حياته.
لكنه لم يتوقف يومًا عن التفكير في ابنته.
وكان يتمنى فقط أن تعرف أنها لم تكن يومًا سببًا في معاناته، بل كانت أجمل شيء حدث له.
في طريق العودة، كانت السيارة هادئة.
ملك كانت تنظر من النافذة طوال الوقت.
وفجأة قالت
عارفين إيه أغرب حاجة؟
سألها مصطفى
إيه؟
ابتسمت وقالت
أنا قضيت سنين أتخيل مين أبويا الحقيقي.
ثم نظرت إلى مصطفى.
وأضافت
ولما عرفت عنه أكتر... اكتشفت إن الشخص اللي كنت بدور عليه طول الوقت كان قاعد جنبي في العربية.
ضحك مصطفى وهز رأسه.
أما أنا فشعرت بسعادة عميقة.
لأن الرحلة التي بدأت بالشك والخوف وكاميرا سيارة...
انتهت بأن وجدت ملك إجابات لأسئلتها، ووجدنا نحن
جميعًا سلامًا مع الماضي.
وأخيرًا، عادت خروجات الآيس كريم كما كانت دائمًا...
مجرد آيس كريم وضحك وأغاني في الطريق. 
النهاية الحقيقية.

 

تم نسخ الرابط