بعت دهبي

لمحة نيوز

كل يوم ولو وقفناها فجأة كنتي هتتهدّي تمامًا.
سكت.
وبعدين كمل إحنا كنا بنحميك حتى لو بالطريقة دي.
في اللحظة دي، الجهاز في إيد حنان بدأ يرن.
وبصتله بخوف الانهيار الجاي بدأ.
الراجل صرخ ابدأوا الإغلاق فورًا!
لكن الشاشة اللي قدامي بدأت تعرض حاجة جديدة
مش أنا في الحاضر.
أنا في لحظة قديمة قبل كل حاجة.
واقفة قدام محمود، وبتقول له جملة واحدة
أنا مستعدة أسيب أي حاجة بس ما تضيعنيش أنا وهو مع بعض.
اتجمدت.
ده كان اختيار.
مش إجبار.
محمود بصلي وقال بهدوء إنتي اللي بدأتي وإحنا كنا بنكمل معاك.
الأرض بدأت تهتز خفيف.
الأضواء تومض.
والباب اللي اتكسر قبل كده اتقفل لوحده تاني.
والراجل قال آخر جملة وهو بيجري لو الذاكرة رجعت كاملة التجربة هتنتهي بس إنتي ممكن متخرجيش زي ما دخلتي.
وبصيت لمحمود للمرة الأخيرة.
وسألته بصوت مكسور أنا مين بقى يا محمود؟ الحقيقة إيه؟
سكت.
وبعدين قال جملة واحدة بس
إنتي الحقيقة نفسها بس لسه مش فاكرة شكلها.
وفي اللحظة دي
الشاشة كلها اتكسرت بصوت عالي.
والنور طفى نهائي.
لكن المرة دي
مكانش ظلام.
كان إحساس إن في حاجة جوايا بدأت تفتح الباب من جوه الصمت اللي بعد انكسار الشاشة ما كانش صمت عادي كان أقرب لفراغ.
كأن البيت كله اتسحب منه الصوت والهواء في نفس اللحظة.
حاولت أتحرك، الكرسي اللي مربوطة عليه بقى تقيل بشكل غريب، كأنه ثابت في الأرض مش مجرد خشب.
همست محمود
مفيش رد.
لكن المرة دي سمعت حاجة مختلفة مش صوت من بره.
صوت من جوا دماغي أنا.
مش واضح كأنه تسجيل قديم بيتعاد إنتي الحقيقة بس لسه مش فاكرة شكلها.
اتشد جسمي كله.
فتحت عيني أكتر، وحاولت أركز في الظلام.
وفجأة لمبة واحدة اشتغلت فوقي.
كشاف صغير، مركز على الكرسي اللي أنا قاعدة
عليه.
وقدامه مباشرة محمود.
واقف، بس شكله متغير.
مش هادي زي قبل كده ولا متوتر كان في حالة بين الاتنين، كأنه وصل لآخر نقطة في صراع طويل.
بصلي وقال بصوت منخفض في حاجة لازم تشوفيها بنفسك مش هينفع أقولها.
قبل ما أرد، حنان ظهرت من وراه.
بس المرة دي كانت ماسكة ملف كبير جدًا، مليان أوراق وصور قديمة.
رمت الملف على الترابيزة اللي قدامي النسخة الأخيرة من الملف قبل ما يتقفل للأبد.
بصيت له ملف إيه؟ أنا تعبت من الكلام ده!
محمود قرب خطوة، وبص للملف كأنه بيخاف يفتحه ده مش ملف تجربة بس ده سجل حياتك قبل ما تقابلي أي حد هنا.
قلبي بدأ يدق بسرعة تانية.
يعني إيه قبل ما أقابلكم؟ أنا أعرفكم من سنين!
حنان هزت راسها مش بالمعنى اللي فاكراه.
سكتت لحظة، وبعدين قالت الجملة اللي قلبت كل حاجة إنتي ماكنتيش زوجة محمود الأول إنتي كنتي الحالة اللي قبله.
اتجمدت.
إيه؟
محمود رفع عينه وقال بهدوء مرهق كل اللي حصل مش بدأ معاك بدأ معاه هو.
مد إيده وفتح الملف.
أول صفحة كانت صورة.
أنا.
بس مش أنا اللي أعرفها.
كنت قاعدة على سرير مستشفى، وفي إيدي نفس الخاتم اللي في حياتي الحالية.
وتحت الصورة مكتوب الحالة رقم 7 إعادة بناء ذاكرة عاطفية مستقرة.
رجعت لورا بالكرسي ده نصب ده مش أنا!
بس صوت جهاز في الأوضة اشتغل فجأة.
صفارة طويلة.
وبعدين رسالة صوتية
تنبيه استقرار الذاكرة بدأ ينهار.
محمود اتجمد لا دلوقتي مش وقته.
حنان بصت له بخوف لو الانهيار حصل دلوقتي هترجع لنقطة الصفر.
بصيت لهم بصدمة نقطة صفر إيه؟ أنا حياتي إيه أصلاً؟!
وفجأة
الكشاف اللي فوقي بدأ يومض.
والملف وقع من على الترابيزة لوحده.
والصور بدأت تتقلب كأن في إيد مش مرئية بتقلبها بسرعة.
وفي كل صورة
كنت ببان في شكل مختلف.

مرة مريضة.
مرة باحثة.
مرة واقفة مع ناس مش عارفاهم.
لحد ما وصلت لصورة واحدة أخيرة
أنا ومحمود واقفين قدام باب كبير مكتوب عليه مرحلة الإغلاق النهائي اختيار الذاكرة المستقرة.
في اللحظة دي
سمعت صوت خطوات كتير برا الأوضة تاني.
بس المرة دي مش بتيجي من السلم.
كانت بتيجي من جوه البيت نفسه.
الحيطان بدأت تصدر صوت خفيف كأنها بتتنفس.
ومحمود قال بهدوء مرعب مش هما اللي جايين دي الذاكرة نفسها اللي بدأت تتحرك.
بصيت له بذهول يعني إيه؟!
قرب مني وقال إنتي لو افتكرتي كل حاجة دلوقتي مش كلنا هنفضل زي ما إحنا.
وسكت لحظة طويلة
وبعدين قال آخر جملة
في ذكريات لو رجعت بتكسر الواقع نفسه.
وفي نفس اللحظة
سلسلة الكرسي بدأت تفك لوحدها ببطء شديد واضح إنك عايز النهاية، فهكملها لحد الخاتمة بشكل مشوّق ومقفول.
سلسلة الكرسي كانت بتتفك ببطء صوت المعدن وهو بيفك كان أعلى من أي صوت في المكان.
قلبي كان بيجري قبل جسمي.
حاولت أوقفها إنتوا بتعملوا إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!
محمود قرب مني بسرعة، ومسك الكرسي بإيده ما تتحركيش لو قامت الذاكرة كلها دلوقتي هتنهار فوقنا كلنا.
حنان صرخت مفيش وقت! النظام وصل لمرحلة اللاعودة!
وفي اللحظة دي النور رجع فجأة.
بس مش نور طبيعي كان أبيض قوي جدًا، كأنه بيحرق العين.
والأوضة كلها اختفت.
الكرسي، الأجهزة، الحيطان
كل حاجة اتحولت لمساحة بيضا فاضية.
بس إحنا فضلنا موجودين.
أنا محمود حنان والراجل اللي ظهر قبل كده.
الراجل بصلي وقال المرحلة الأخيرة اختيار الحقيقة.
وبعدين ظهر قدامي 3 أبواب في الفراغ.
كل باب عليه اسم مختلف
الحياة الأولى
الحياة البديلة
النسيان الكامل
اتجمدت إيه ده أنا فين؟
محمود قال بهدوء إنتي مش في مكان إنتي في نقطة قرار.
حنان كملت
كل باب هيخليكي تعيشي نسخة مختلفة من نفسك.
بصيت لهم بذهول وإنتوا؟
سكتوا.
وبعدين محمود قال إحنا جزء من اختياراتك مش أشخاص مستقلين زي ما إنتي فاكرة.
رجلي بدأت ترتعش.
يعني إيه؟
الراجل قال إنتي اللي بتكتبي الواقع ده كل مرة وإحنا بننفذه.
سكتت.
وفجأة افتكرت حاجة.
مشهد قديم جدًا
أنا قاعدة قدام جهاز وبكتب جملة واحدة
أريد حياة فيها حب بس من غير ألم وذاكرة أقدر أتحكم فيها لو فقدت السيطرة.
رجعت للواقع وصرخت ده مش حقيقي!
محمود بصلي بحزن ده كان طلبك الأول.
سكت.
والأبواب بدأت تقرب مني لوحدها.
صوت في الفراغ قال اختاري.
حسيت إن دماغي هتنفجر.
لو اخترت الحياة الأولى هتتألمي زي ما بدأتي. لو اخترت البديلة هتعيشي بس من غير ضمان إنك هتعرفينا تاني. لو اخترت النسيان هتبدأي من جديد تمامًا.
بصيت لمحمود.
كان واقف مستني، عينيه فيها حاجة بين الحب والخوف.
همست وإنت؟ هتكون فين؟
رد أنا موجود في كل اختيار بس بشكل مختلف.
سكت لحظة.
وبعدين قربت من الباب الأوسط.
حطيت إيدي عليه.
وسألت ولو رفضت أختار؟
الراجل ابتسم يبقى الذاكرة تختار عنك.
وفجأة
البوابات الثلاثة فتحوا في نفس اللحظة.
والفراغ كله بدأ ينهار.
ومحمود صرخ سلوى اختاري دلوقتي!
لكن أنا ما اخترتش باب
أنا عملت حاجة مختلفة.
لفيت وقلت بصوت ثابت لأول مرة
أنا مش هختار حياة أنا عايزة الحقيقة كاملة، مهما كانت.
وفي اللحظة دي
كل حاجة سكتت.
الأبواب اتقفلت.
والنور اختفى.
وآخر حاجة سمعتها كانت صوت محمود وهو بيقول بهدوء
يبقى كده التجربة انتهت.
بس قبل ما الظلام يكمل
افتكرت ابتسامة صغيرة أول يوم قابلته فيه.
وساعتها بس فهمت
إن الحقيقة مش مكان دي لحظة بتختار تعيشها ولا لأ.
النور رجع تاني
بس المرة دي كنت لوحدي.
في أوضة
عادية جدًا.
ومفيش أي أجهزة.
ولا حنان.
ولا محمود.
بس على الترابيزة كان في ورقة واحدة مكتوب فيها
مرحبًا بعودتك يا سلوى.
ونقطة حبر تحتها لسه بتلمع كأنها لسه متكتبة حالًا.

تم نسخ الرابط