بابا قالي
كلمة بريئة خرجت من بين شفتي طفلة صغيرة، لكنها كانت كفيلة بأن تجعل المدرسة نادية تتجمد في مكانها.
في ذلك الصباح، لم يكن هناك ما يلفت الانتباه داخل الفصل. ضجيج الأطفال المعتاد يملأ المكان، والدفاتر مفتوحة فوق المقاعد، وأصوات الضحك تتداخل مع أصوات الشرح. لكن شيئًا واحدًا استوقف نادية.
الطفلة مريم.
كانت تسير ببطء شديد، وعندما جلست على مقعدها التوى وجهها للحظة من الألم، ثم حاولت إخفاء ذلك سريعًا.
مريم لم تكن طفلة كثيرة الكلام. كانت هادئة ومهذبة ومتفوّقة في دراستها. الجميع يحبها ويحترم أسرتها، خاصة والدها الأستاذ حازم الذي اشتهر بين الناس بحسن أخلاقه وهدوئه.
لكن عيني مريم في ذلك اليوم كانتا مختلفتين.
كان فيهما خوف لا يليق بطفلة في السابعة من عمرها.
انتظرت نادية حتى انتهت الحصة، ثم طلبت من مريم أن تبقى قليلًا.
اقتربت منها وسألتها بلطف:
- مالك يا مريم؟ شكلك تعبانة النهاردة.
هزت الصغيرة رأسها بسرعة.
- لا يا أبلة... أنا كويسة.
لكن صوتها المرتجف فضحها.
جلست نادية بجوارها وقالت:
- أنا مش هزعلك، بس لو في حاجة مضايقاكي لازم أعرف عشان أساعدك.
سكتت مريم للحظات طويلة، ثم بدأت الدموع تتجمع في عينيها.
قالت بصوت خافت:
- بابا قال لي إنها مش هتوجع... بس هي بتوجع أوي.
شعرت نادية بقلق شديد.
لم تفهم المقصود، لكنها أدركت أن الأمر أكبر من مجرد شكوى عابرة.
بعد محاولات كثيرة
كان حازم مقتنعًا بأنه يستطيع علاج مشكلة صحية بسيطة لدى ابنته بطرق شعبية سمع عنها من أشخاص غير متخصصين. ومع الوقت بدأت الطفلة تعاني آلامًا متكررة، لكنها كانت تخاف من الاعتراض لأن والدها كان يؤكد لها دائمًا أن ما يفعله لمصلحتها.
لم يكن الرجل يقصد إيذاءها كما ظن البعض في البداية، لكنه كان يتصرف بجهل خطير.
أبلغت المدرسة إدارة المدرسة والأخصائية الاجتماعية، وتم التواصل مع والدة مريم التي بدت مصدومة عندما علمت بكل التفاصيل.
في المساء، بدأت الجهات المختصة متابعة الحالة، وتم عرض الطفلة على أطباء متخصصين.
وهناك ظهرت الحقيقة كاملة.
كل ما كانت تعاني منه مريم كان نتيجة ممارسات خاطئة وغير طبية، استمرت لفترة طويلة لأن الأسرة وثقت في نصائح غير علمية بدلاً من اللجوء إلى الأطباء.
أما حازم، فجلس في غرفة الانتظار بالمستشفى لساعات طويلة لا يرفع عينيه عن الأرض.
لأول مرة أدرك أن حسن النية وحده لا يكفي.
كان يظن أنه يحمي ابنته.
لكنه في الحقيقة كان يؤذيها دون أن يشعر.
مرت أسابيع عديدة من العلاج والمتابعة النفسية والطبية لمريم، وبدأت حالتها تتحسن تدريجيًا.
عادت ضحكتها شيئًا فشيئًا.
وعادت للعب مع صديقاتها في الفسحة كما كانت من قبل.
أما نادية، فكانت تنظر إليها كل صباح وتشعر بالارتياح.
لولا
"بابا قال لي إنها مش هتوجع..."
لربما استمرت معاناتها لفترة أطول.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت المدرسة أكثر إصرارًا على الاستماع للأطفال والانتباه إلى مخاوفهم مهما بدت بسيطة، لأن كلمة واحدة قد تكشف مشكلة كبيرة، وقد تكون بدايةأكملها بتشويق مع الحفاظ على الطابع الإنساني والغموض:
لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد.
بعد أيام من عودة مريم إلى المدرسة، بدأت نادية تلاحظ شيئًا غريبًا.
الطفلة التي استعادت ابتسامتها تدريجيًا كانت ما زالت تخفي سرًا آخر.
كلما سألها أحد عن المستشفى أو عن فترة غيابها، كانت تغير الموضوع بسرعة.
وكلما ذُكر اسم والدها، كانت تتردد للحظة قبل أن تتكلم.
في أحد الأيام، وبينما كانت نادية ترتب أوراق الفصل بعد انتهاء الدوام، وجدت ورقة صغيرة سقطت من كراسة مريم.
لم يكن فيها سوى رسم بسيط.
بيت.
وشجرة.
وطفلة صغيرة تقف أمام الباب.
لكن الغريب أن هناك شخصًا آخر مرسومًا داخل نافذة البيت.
شخص بلا ملامح.
حدقت نادية في الرسم طويلًا.
في اليوم التالي سألت مريم بلطف:
- مين اللي رسمتيه في الشباك ده؟
تغير لون وجه الطفلة فجأة.
وأخذت الكراسة بسرعة.
ثم قالت:
- محدش... ده مجرد رسم.
لكن نادية شعرت أن الإجابة ليست حقيقية.
ومع مرور الأيام بدأت تكتشف تفاصيل صغيرة لم ينتبه لها أحد.
مريم كانت تلتفت أحيانًا نحو باب الفصل وكأنها
وكانت تحتفظ بمفتاح قديم داخل حقيبتها وترفض أن يراه أحد.
وفي إحدى الحصص، بينما كان الأطفال يكتبون واجبهم، اقتربت مريم فجأة من مكتب نادية وهمست:
- أبلة... لو حد سألك عن المفتاح ده، قولي إنك مشوفتيهوش.
اتسعت عينا نادية.
- مفتاح إيه يا حبيبتي؟
لكن مريم تراجعت بسرعة وكأنها ندمت على كلامها.
في تلك الليلة، لم تستطع نادية النوم.
كانت تشعر أن هناك حلقة ناقصة.
شيء لا تعرفه الأسرة.
وشيء لم تقله مريم لأحد.
وفي صباح اليوم التالي، وصلت إلى المدرسة مبكرًا.
لكنها فوجئت بسيارة شرطة تقف أمام البوابة.
وأفراد الشرطة يتحدثون مع المديرة بوجوه جادة.
اقتربت بسرعة وسألت عما حدث.
فأجابها أحد الضباط:
- عندنا بلاغ بخصوص منزل قديم مرتبط بأسرة الطفلة مريم... وفيه أمور محتاجة تفسير.
في تلك اللحظة فقط، تذكرت نادية المفتاح القديم.
وشعرت أن السر الحقيقي لم يبدأ بعد.
أما مريم، فكانت تقف في آخر الممر، تنظر إليهم بصمت، وكأنها تعرف ما الذي سيُكتشف خلف ذلك الباب المغلق منذ سنوات... إنقاذ حياة كاملة.وقفت نادية مكانها، وعيناها معلقتان بمريم.
الطفلة لم تبدُ خائفة كما توقعت، بل كانت تنظر نحو الأرض وكأنها كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي يومًا ما.
اقترب الضابط منها بهدوء وسأل:
- مريم، تعرفي حاجة عن البيت القديم؟
رفعت رأسها ببطء، ثم أخرجت المفتاح من جيبها الصغير.
ساد الصمت.
حتى الأطفال الذين كانوا يمرون في الممر توقفوا عن الكلام.
قالت مريم بصوت خافت:
- بابا كان بيقول لي محدش لازم يروح هناك... ومحدش لازم يعرف.
تبادلت نادية والضابط النظرات.