وانا واقفة فى مكان شغلى
الشغل، البيت، وأيام هادية كنت فاكرة إنها أخيرًا استقرت.
لحد ما في يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت عربية واقفة قدام البيت، ونزل منها راجل كبير في السن ومعاه محامي.
استغربت جدًا.
الراجل قرب مني وقال:
— حضرتك الأستاذة هناء؟
قلت: — أيوة.
ناولني كارت صغير.
بصيت فيه، واتفاجئت إنه كان صديق قديم لوالدي.
شخص كنت بشوفه وأنا صغيرة، وبعد وفاة أبويا انقطعت أخباره تمامًا.
قال: — ممكن نتكلم شوية؟
دخلنا أقرب كافيه، وبعد دقائق من الصمت، فتح حقيبة جلد قديمة وحط قدامي ملف أصفر.
وقال:
— الملف ده أمانة عندي من أكتر من عشر سنين.
استغربت.
فتح الملف، وطلع منه أوراق وعقود وصور.
ثم قال جملة قلبت حياتي مرة تانية:
— والدك ما ماتش وهو فقير زي ما الناس كانت فاكرة.
اتسعت عيني من الصدمة.
— يعني إيه؟
قال:
— أبوكي كان شريك في مشروع كبير جدًا قبل وفاته. ولما مرض، سلمني كل الأوراق دي وقالي أسلمها ليكي لما أتأكد إنك بقيتي
إيدي كانت بتترعش وأنا بقلب الأوراق.
أراضٍ.
أسهم.
وحصص في شركات.
أصول قيمتها ملايين.
دموعي نزلت غصب عني.
مش عشان الفلوس.
لكن عشان افتكرت كل ليلة نمت فيها جعانة.
كل مرة اتهنت فيها واتقال لي إن ماليش سند.
كل مرة حسيت فيها إني لوحدي.
وأبويا في الحقيقة كان بيحاول يحميني حتى بعد موته.
بعد أسابيع من الإجراءات القانونية، اتأكدت صحة كل حاجة.
وأصبحت أملك ثروة ما كنتش أتخيلها يومًا.
لكن الغريب إن أول حاجة عملتها ما كانتش شراء بيت فاخر ولا عربية جديدة.
أول حاجة عملتها كانت تأسيس جمعية صغيرة لمساعدة السيدات اللي اتعرضوا للظلم والطرد والعنف الأسري.
لأنني كنت أعرف جيدًا شعور امرأة تمشي في الشارع ليلًا وهي لا تعرف أين ستنام.
وفي يوم افتتاح الجمعية...
وقفت ألقي كلمة قصيرة.
وكان بين الحضور عشرات السيدات.
كل واحدة منهن تحمل قصة وجع مختلفة.
نظرت إليهن وقلت:
— يمكن حد فيكم حاسس
ووسط التصفيق...
رفعت عيني للسماء.
وتذكرت أبي.
وتذكرت تلك الليلة الباردة التي طُردت فيها بلا مأوى.
ثم ابتسمت.
لأن الفتاة التي خرجت يومها مرتعشة وخائفة...
لم تكن تعرف أن الله كان يقودها، خطوة خطوة، نحو حياة أكبر بكثير مما حلمت به يومًا.
تمت. 🌷وفي آخر لحظة من الافتتاح، بعد ما الناس بدأت تمشي واحد واحد، لقيت واحدة ست قاعدة في آخر القاعة مش قادرة تقوم.
قربت منها بهدوء.
كانت عينيها مليانة دموع، وإيدها بترتعش وهي ماسكة ورقة طلب مساعدة.
قالتلي بصوت مكسور: — أنا زيك زمان… اتطردت من بيتي، ومليش حد.
سكتت ثواني.
ولأول مرة ما حسّيتش إني بس بسمع حكاية… حسّيت إني بسمع نفسي القديمة.
قعدت جنبها وقلت: — إنتي مش لوحدك.
مديت إيدي ليها.
— هنا… مش
عيطت في حضني، وفضلنا ساكتين شوية.
وفي اللحظة دي، دخل السكرتير بسرعة وقال: — في زيارة مهمة بره… حد عايز يقابلك فورًا.
طلعت برا وأنا مستغربة.
ولقيته واقف.
هو.
واقف بعيد، مش زي الأول… مفيش كبرياء، مفيش استعلاء، بس إنسان اتكسر من جوه.
بصلي وقال: — سمعت اللي بتعمليه… وجيت أقولك حاجة واحدة بس.
سكت.
قلت: — اتفضل.
قال بصوت واطي: — أنا مش جاي أطلب حاجة لنفسي… أنا جاي أطلب منك تسامحي عشان أقدر أسامح نفسي.
سكت لحظة طويلة.
بصيت حواليّا… على المكان، على الستات اللي جوا، على الحياة اللي اتبنت من الألم.
وبعدين قلت:
— أنا سامحتك من زمان… بس مش علشانك. علشان أقدر أكمل من غير ما أشيلك جوايا.
نزل راسه.
ولأول مرة ما حاولش يرد.
مشي بهدوء، من غير ما يلتفت.
رجعت جوه، لقيت الست لسه مستنياني.
ابتسمت لها وقلت: — جاهزة نبدأ؟
هزت راسها.
وفتحت باب جديد.
مش بس ليها…
لنا كلنا.
لأن
كانت إن الجرح اللي حاول يكسرني… بقى المكان اللي بيخرج منه نور لغيري.
النهاية 🌿