رجعت البيت بدرى
تنزل.
مش حزنًا...
فخرًا.
رفعت عينيها للسماء وهمست
شفت يا بابا؟ لسه أثرك موجود.
وفي تلك اللحظة أدركت شيئًا مهمًا
أحمد كان يظن أن البيت هو أغلى ما تملك.
لكن الحقيقة أن أغلى ما كانت تملكه...
هو التربية التي تركها لها أبواها.
تربية أن تنكسر ولا تخون.
أن تُجرح ولا تظلم.
أن تخسر أشخاصًا...
ولا تخسر نفسها.
وانتهت الحكاية...
لكن رائحة الياسمين ظلت تملأ البلكونة كل مساء، شاهدة على أن بعض الجروح تلتئم، وبعض البيوت تبقى واقفة، لأن أساسها لم يكن الحجر.
بل الحب. وبعد سنوات طويلة...
كانت ندى واقفة في نفس البلكونة، لكن شعرها بدأ يختلط بخيوط بيضاء خفيفة، والياسمين بقى أكبر وأجمل من أي وقت فات.
في البيت كان فيه ضحك أطفال.
أطفال ما جابتهومش لها الدنيا بالولادة، لكن جابتهم بالمحبة.
بعد وفاة خالتها، ربت بنت أختها الصغيرة وكأنها بنتها، وكبرت البنت وسط الأمان والحب اللي كانت ندى نفسها محتاجاهم زمان.
وفي يوم، سألتها البنت وهي بتتفرج على صور قديمة
هو صحيح يا طنط إنك كنتِ ممكن تخسري البيت ده؟
ابتسمت
وبصت للصورة اللي فيها أبوها وأمها.
وقالت
أيوه... كنت ممكن أخسره.
وإزاي حافظتي عليه؟
سكتت لحظة، ثم ردت
لما فهمت إن البيت مش جدران وسقف وباب.
أمال إيه؟
البيت هو الإنسان اللي ما يبيعش نفسه مهما كان الثمن.
البنت ما فهمتش الكلام كله، لكنها حضنتها.
وندى حضنتها بقوة.
وفي تلك الليلة، قبل ما تنام، فتحت الدرج القديم وأخرجت آخر رسالة من أبوها.
قرأت السطر الأخير مرة تانية
لو وقعتِ يومًا... قومي. ولو خانكِ الناس... لا تخوني نفسك.
ابتسمت، وطوت الرسالة،
ثم نظرت حولها.
البيت ما زال قائمًا.
والياسمين ما زال يزهر.
وقلبها أخيرًا صار خفيفًا.
وعرفت أن النهاية الحقيقية لم تكن يوم انتصرت في المحكمة...
ولا يوم رحل أحمد...
بل يوم توقفت عن العيش في الماضي.
يوم سامحت نفسها على ثقتها الخطأ.
ويوم فهمت أن الله أخذ منها وهمًا كبيرًا...
ليحفظ لها عمرًا كاملًا.
أطفأت النور، وأغلقت النافذة، بينما كانت رائحة الياسمين تدخل مع نسمة الليل الهادئة.
وكأن روح أمها وأبيها تهمس لها للمرة الأخيرة
أحسنتِ
تمت.