من سنة بالضبط

لمحة نيوز


بعت العربية اللي كنت متمسك بيها، وبعت المكتب، وكل حاجة مالهاش لازمة. بدأت أشتغل أي شغل يجيب فلوس بالحلال، وخصصت كل جنيه لعلاجها.
ولأول مرة من سنة باب أوضة المكتب اتفتح.
دخلتها وأنا شايل الكراتين الطبية أرميها. لكن قبل ما أقفل الدولاب، لقيت ظرف صغير مكتوب عليه بخط إيدها
يتفتح لو جرالي حاجة.
قلبي اتقبض.
فتحته بإيد مرتعشة ولقيت جواه جواب.
أحمد
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا غالباً ماقدرتش أكمل.
أوعى تلوم نفسك.
أنا عمري ما حسيت إني بضحي بالعكس، لأول مرة حسيت إن لحياتي معنى.
إنت أنضف راجل عرفته، حتى في عز كسرتك كنت بتحاول تحافظ عليّا.
ولو الزمن رجع بيا ألف مرة هختارك كل مرة.
وقتها انهرت.
فضلت أبكي وأنا حاضن الجواب لأول مرة في حياتي أحس إن الحب ممكن يكون مؤلم بالشكل ده.
وفجأة سمعت صوتها ورايا بيقول هو أنا مت ولا إيه؟
لفيت بسرعة لقيتها واقفة عند الباب، ضعيفة وساندة على الحيطة، لكن بتضحك.
جريت عليها حضنتها وأنا بعيط الجواب ده هيتحرق فاهمة؟ إنتِ مش هتسيبيني.
ضحكت وهي بتدفن وشها في صدري وقالت خلاص بس بلاش تركبلي كاميرات تاني ضحكت وسط دموعي لأول مرة من شهور ومنى كمان ضحكت، بس الضحكة انتهت بسرعة لما التعب خطف نفسها.
سندتها وقعدنا على السرير. لأول مرة من سنة كاملة، مافيش أسرار

بينا.
لكن الحقيقة كانت أقسى من أي حاجة.
العلاج محتاج مبالغ ضخمة وجلسات طويلة واحتمال الشفاء مش مضمون.
وفي الليلة دي، وأنا قاعد جنبها في المستشفى، تليفوني رن برقم غريب.
رديت، فجالي صوت راجل هادي أستاذ أحمد؟ معاك دكتور سامح.
أول ما سمعت الاسم، الدم غلى في عروقي.
هو نفس الدكتور اللي كان بيستغل منى.
قفلّت سِني وقلت عايز إيه؟
قال بهدوء مستفز مراتك أخدت من عندي ملفات وأوراق مهمة وياريت ترجعها بدل ما الموضوع يكبر.
فهمت فوراً.
منى كانت محتفظة بأدلة تدينه.
بصيت ناحية الشنطة بتاعتها، وافتكرت الكراتين اللي جبتها من أوضة المكتب. جريت فتحتهم، وبدأت أدور بعصبية لحد ما لقيت فلاشة صغيرة متغلفة بشريط طبي.
وصلتها على اللابتوب.
ووقتها اتجمدت.
ملفات كاملة. أسماء مرضى. تحويلات بنكية. تقارير مزورة. وتسجيلات لسحب دم وأعضاء من ناس غلابة مقابل مبالغ تافهة.
ومن ضمن التسجيلات فيديو لمنى.
كانت بتصرخ فيه إنت قولتلي التبرع هيكون مرة واحدة!
وصوته بيرد ببرود طالما محتاجة فلوس هتكملي.
إيدي كانت بتترعش من الغضب.
منى ماكنتش مجرد ضحية مرض كانت ضحية شبكة كاملة.
دخلت عليّا الممرضة فجأة وقالت المدام تعبانة وبتنادي عليك.
قفلت اللابتوب بسرعة ودخلتلها.
لقيتها مرعوبة لأول مرة.
مسكت إيدي وقالت أحمد لو جرالي
حاجة، أوعى تسكت.
قعدت جنبها وقلت بحزم مش هيسكتنا حد. لا مرض ولا الدكتور ده.
في اليوم اللي بعده، روحت للنيابة بكل الملفات.
وفي أقل من أسبوع، القضية قلبت البلد.
الدكتور سامح اتقبض عليه هو وشبكة كاملة كانت بتستغل المرضى والفقراء في تجارة الدم والأعضاء.
القنوات بدأت تتكلم عن الزوجة اللي خاطرِت بحياتها عشان تنقذ جوزها لكن الناس ماكنوش يعرفوا الحقيقة كاملة.
الحقيقة إن منى أنقذت ناس كتير غيري.
وبعد شهور طويلة من العلاج حصلت المعجزة الصغيرة اللي كنت مستنيها.
الدكتور دخل الأوضة وهو مبتسم لأول مرة وقال التحاليل الجديدة مبشرة جداً الجسم بدأ يستجيب.
بصيت لمنى لقيت عينيها مليانة دموع.
همست يعني ممكن أعيش؟
رد الدكتور بابتسامة أيوه بإذن الله.
في اللحظة دي، حضنتها بقوة وأنا حاسس إن روحي رجعتلي بعد ما كانت بتضيع.
وبعد سنة
كنت واقف جنبها في البلكونة وقت الفجر، وهي لابسة شال خفيف ووشها رجع فيه لون الحياة تاني.
بصتلي بخبث وقالت على فكرة الكاميرا اللي ركبتها كانت باينة جداً.
اتصدمت إيه؟!
ضحكت وقالت أنا سبتك تكتشف الحقيقة بنفسك لأنك عمرك ما كنت هتصدقني لو قولتهالك.
هزيت راسي وأنا بضحك يعني كنتِ عارفة إني بتجسس عليكي؟
قربت مني وهمست كنت مستنية اليوم اللي ترجع تبصلي فيه بحب بدل خوف.
حضنتها
وبصيت للسما اللي بدأ نورها يطلع.
وأخيراً فهمت
إن الحب الحقيقي مش الشخص اللي يعيشمنى وقفت في البلكونة وهي ساندة على دراعي، وسكتنا شوية كأننا لأول مرة نسمع الدنيا من غير وجع.
بعد كل اللي حصل القضية خلصت، والشبكة اتفكت، والدكتور اتحكم عليه، لكن في حاجة كانت لسه ناقصة إحساس الأمان اللي اتكسر جوانا.
منى بصتلي وقالت بهدوء أنا عايزة أعيش حياة عادية من غير أسرار، من غير خوف.
هزيت راسي وقلت وأنا مش عايز غيرك تعيشي.
ابتسمت، بس الابتسامة دي كان وراها تعب سنين بس لو تعبت تاني مش هخبي.
قربت منها وقلت وأنا مش هسيبك لو تعبت.
مرت شهور، العلاج بقى جزء من حياتها، بس المرة دي مش لوحدها. كنت معاها في كل جلسة، وكل تحليل، وكل لحظة ضعف.
وفي يوم، الدكتور قال لنا بصراحة الحالة مستقرة بشكل غير متوقع. ممكن ندخل مرحلة متابعة بس بدل العلاج المكثف.
بصتلها وهي مش مصدقة.
دموعها نزلت وهي بتضحك يعني هكمل عادي؟
مسكت إيديها وقلت يعني هتكلمي عادي وهتعيشي عادي.
خرجنا من المستشفى وإيدينا في إيدين بعض.
ومن يومها، مافيش كاميرات، مافيش شك، مافيش أسرار.
بس في حاجة واحدة فضلت زي ما هي
كل مرة بصحى فيها وألاقيها جنبي، بفتكر اليوم اللي كنت فيه على وشك أخسرها، وبحمد ربنا إني ما استسلمتش للشك.
لأن أحياناً الحقيقة
مش بس بتكشف سر.
أحياناً الحقيقة بترجّعك لحد كان ممكن تخسره للأبد.
النهاية.

تم نسخ الرابط