من سنة بالضبط

لمحة نيوز

من سنة بالظبط، شركتي أعلنت إفلاسها وعليّ ديون وإيصالات أمانة كانت هتحبسني سنين. كنت مستني البوليس يخبط على بابي في أي لحظة.
وفي يوم وليلة، مراتي منى جاتلي بشنطة فيها المبلغ كله. قالتلي إنها باعت ورثها في البلد وإن أعمامها أرسلوا الفلوس أخيراً. سددت ديوني، ورجعت أقف على رجلي... بس من يومها، منى اللي أعرفها ماتت، وواحدة تانية سكنت بيتي.
أقنعتني إنها لقت شغل أونلاين مع شركة أمريكية، وعشان فرق التوقيت، لازم تشتغل من الساعة 1 بالليل لحد 6 الصبح. خصصت لنفسها أوضة المكتب، وركبت للباب ترباس من جوه. في البداية كنت فخور بيها، بس بعد شهرين، الوضع بقى مرعب.
منى بدأت تخس بشكل يخض، وشها بقى شاحب زي الأموات. بطلت تخليني ألمسها تماماً، حتى السلام بالإيد كانت بتتهرب منه. بقت تلبس هدوم شتوية بكم طويل وإحنا في عز الصيف. ولما كنت أسألها مالك؟ كانت ترد بعصبية غير مبررة إرهاق من الشغل يا أحمد، سيبني في حالي.
الشكوك بدأت تنهش في عقلي. الشروخ زادت لما لقيت في زبالة الحمام قطن عليه نقط دم متجلطة أكتر من مرة. وفي ليلة، حاولت أفتح باب الأوضة عليها فجأة، لقيته مقفول بالترباس. خبطت بعنف، فتحتلي بعد خمس دقايق وهي بتنهج وعرقانة، والأوضة ريحتها مطهرات طبية قوية جداً.
عقلي صورلي أسوأ الكوابيس.. هل مراتي بتتعاطى مخدرات؟ هل بتشتغل في حاجة مشبوهة على النت؟ الفلوس اللي سددت بيها ديوني دي جات منين أصلاً وأنا عارف إن أعمامها واكلين حقها من سنين؟!
الانهيار الحقيقي حصل لما شفت كدمات زرقاء وخضراء على كف إيديها وهي نايمة من التعب على الكنبة. قررت إني مش هعيش في العذاب ده أكتر من كده.
تاني يوم، استنيتها تنزل تشتري طلبات للبيت، ودخلت أوضة المكتب. دورت في كل حتة ومفيش حاجة غريبة،

لحد ما عيني جات على فتحة تكييف الشباك القديم. ركبت كاميرا مراقبة دقيقة جداً جواها، بتنقل صورة وصوت مباشر على تليفوني، وفيها خاصية الرؤية الليلية.
بالليل، عملت نفسي نايم. الساعة 1 صباحاً، سمعت خطواتها بتتسحب، وباب الأوضة اتقفل والترباس اتسحب.
مسكت تليفوني وإيدي بتترعش.. فتحت التطبيق، وكنت مستعد أشوفها بتكلم حد، أو بتطلع مخدرات، أو بتعمل أي حاجة دنيئة.
بس اللي شفته كسر ضلوعي ومزق روحي.. ومکنتش اتوقعه ابدا 
الکاتبه_نور_محمد
القصة كاملة اول التعليق  
ومتنسوش تصلوا علي النبيفتحت البث المباشر والصورة كانت مهزوزة في الأول بسبب الإضاءة الضعيفة.
منى دخلت الأوضة وقفلت الباب بالترباس، وبعدها وقفت قدام المكتب دقيقة كاملة كأنها بتحاول تجمع نفسها. إيدي كانت بتتلج، وقلبي بيدق بعنف.
لكن بعدها حصل شيء عمري ما كنت أتخيله.
منى رفعت كم البلوزة ببطء وظهرت كدمات سوداء وزرقاء على دراعها كله، وآثار حقن جديدة ولسه عليها دم.
شهقت بدون صوت.
هي فعلاً كانت بتتعاطى؟!
لكنها سحبت كرسي وقعدت قدام اللابتوب، وفتحت كاميرا. ظهر على الشاشة راجل أجنبي كبير في السن، لابس بالطو أبيض. وبعده بثواني دخلت بنت صغيرة طفلة عندها يمكن سبع سنين، وشها أصفر وعليها جهاز أكسجين.
منى ابتسمت للبنت رغم التعب اللي في وشها وقالتلها بالإنجليزي المكسّر أنا جاهزة النهاردة.
الراجل هز راسه وقال Your hemoglobin is too low. You need rest.
منى ردت بسرعة وهي بتحاول تخبي ارتجاف إيديها لازم نكمل البنت محتاجة الجرعة.
ماكنتش فاهم أي حاجة.
منى قامت وفتحت دولاب صغير جنب المكتب طلعت منه أكياس طبية وأنابيب ومستلزمات تعقيم. وبعدها ركبت إبرة في دراعها بنفسها والدم بدأ ينزل من جسمها في كيس طبي.
الموبايل
وقع من إيدي.
مراتي كانت بتبيع دمها؟!
فضلت أبص مش مستوعب، لحد ما سمعت الطبيب بيقول أنتِ بالفعل دفعتي ديون زوجك كاملة، ليه مستمرة؟ ده خطر على حياتك.
منى سكتت ثواني وبعدين قالت بصوت مكسور لأن العملية لسه ناقصها فلوس وأنا وعدته يعيش مرتاح بعد اللي حصله.
حسيت إن حد خبطني بمطرقة في صدري.
كل ليلة كل التعب كل الكدمات كانت بتموت بالبطيء عشان تنقذني أنا.
لكن الصدمة الأكبر لسه ماجتش.
منى خلصت وسحبت الإبرة، وبعدين فتحت درج المكتب وطلعت منه روشتات وتحاليل وملف طبي باسمها.
قربت من الكاميرا بالصدفة ولأول مرة قدرت أقرا المكتوب.
Acute Myeloid Leukemia.
سرطان دم حاد.
حسيت الدنيا اسودت قدامي.
مراتي كانت بتموت وبتخبّي عليّا.
في اللحظة دي قمت أجري ناحية أوضة المكتب زي المجنون، خبطت الباب بعنف منى افتحي الباب حالاً!
اتجمدت جوا ثواني وبعدها فتحت.
أول ما شافتني ماسك الموبايل، عرفت إني شفت كل حاجة.
وشها انهار وقعدت على الأرض وهي بتعيط لأول مرة من سنة كاملة.
صرخت فيها وأنا ببكي ليه؟! ليه تعملي في نفسك كده؟!
قالت بصوت متقطع لأنك لو دخلت السجن كنت هتموت وأنا أصلاً كنت بموت، فقولت على الأقل واحد فينا يعيش.
ركعت قدامها وأنا حاسس إني أوطى إنسان في الدنيا.
فضلت أصرخ وأنا؟! كنتِ فاكرة إني هقبل تعيشي العذاب ده لوحدك؟!
منى ابتسمت وسط دموعها وقالت كنت عايزاك تفتكرني قوية مش مريضة.
حضنتها لأول مرة من شهور وكانت خفيفة بشكل يخوف، كأن المرض أكل نص روحها.
وفي الفجر وأنا قاعد جنبها على الأرض، بصيت على كل الشكوك القذرة اللي أكلت دماغي، وحسيت بالخزي.
مراتي ماكنتش خاينة ولا مدمنة ولا بتخبي جريمة
مراتي كانت بتبيع عمرها عشان تشتري عمري أنا فضلت حضنها للفجر كله وأنا حاسس إن كل دقيقة
فاتت وأنا شاكك فيها كانت خنجر في قلبي.
منى نامت من التعب على الكنبة، وأنا قاعد جنبها أبص على وشها الشاحب. لأول مرة أخد بالي قد إيه كانت بتحاول تخفي وجعها. حتى ضحكتها اللي كنت فاكرها بقت باردة كانت مجرد مجهود أخير منها عشان تطمني.
مع أول ضوء صباح، صحيت على صوت كحة قوية جاية منها.
قامت بسرعة ودخلت الحمام، وبعد ثواني سمعت صوت وقوع حاجة على الأرض.
جريت عليها لقيتها واقعة جنب الحوض، ودم نازل من بقها.
صرخت باسمها وشلتها بين إيديا وأنا برتعش منى! بصّيلي بالله عليكي بصّيلي!
فتحت عينيها بالعافية وهمست ما تودينيش المستشفى الخاص
إيه؟!
الدكتور هناك بياخد مني أكتر من اللازم عشان الفلوس.
الصدمة خبطتني من جديد.
الدكتور اللي كانت بتثق فيه كان بيستغل مرضها وحاجتها للمال.
لبستها بسرعة ونزلت أجري بيها على أقرب مستشفى حكومي. طول الطريق كانت إيدي ماسكة إيديها بقوة، وخايف تسيبها في أي لحظة.
في الطوارئ، الدكاترة دخلوا بسرعة، وبعد ساعة انتظار حسيتها سنة كاملة، خرج دكتور كبير وقال مين جوز المريضة؟
وقفت وأنا شبه ميت أنا.
بصلي بأسف وقال مراتك كانت بتاخد منشطات وسحب دم بشكل متكرر وهي عندها سرطان دم جسمها منهار بالكامل.
سألته وأنا بدمع هتعيش؟
سكت ثواني طويلة وبعدين قال لو كنا اتأخرنا ساعات كمان، كانت ماتت.
رجليا خانتني وقعدت على الأرض.
بعد يومين، منى بدأت تتحسن شوية. كنت ملازمها طول الوقت، لا بأكل ولا بنام غير جنبها. وفي ليلة وهي صاحية، بصتلي وقالت أحمد أنا آسفة.
مسكت وشها بإيديا إنتِ مجنونة؟ أنا اللي أعتذر. أنا شكيت في أنضف إنسانة في الدنيا.
ابتسمت بتعب وقالت كنت خايفة تبصلي بنظرة شفقة.
رديت فوراً أنا ببصلك بنظرة واحدة بس نظرة راجل ربنا رزقه بزوجة أنقذت حياته
مرتين.
دموعها نزلت بصمت.
بعد أسبوع، رجعت البيت لكني كنت شخص تاني.

تم نسخ الرابط