اخويا الصغير

لمحة نيوز


هتهدى أخيراً، وإن الكابوس اللي كنت عايشاه خلص لكن الحقيقة إن اللي حصل بعدها كان أغرب بكتير.
يوسف بقى أهدى معايا، وبطل يخبي عليا حاجات كتير. بقيت كل شوية أدخل عليه ألاقيه بيتفرج على فيديوهات عن المؤثرات السينمائية والرسم، أو بيجرب يرسم جروح وهمية على ورق بدل جسمه. وحتى مروان، بقى لما ييجي عندنا يسلم عليا بابتسامة خجولة كأنه لسه مكسوف مني بعد اللي حصل.
لكن رغم إن البيت رجع هادي، كان جوايا إحساس غريب مش راضي يسيبني.
إحساس إن في حاجة ناقصة.
يمكن لأني شوفت بعيني قد إيه يوسف كان قادر يخبي عني خوفه وأسراره، وده خلاني لأول مرة أحس إنه كبر فعلاً وإنه مبقاش الطفل الصغير اللي أعرف كل اللي بيدور جواه.
وفي يوم، وأنا بنضف أوضته، لقيت كراسة مستخبية تحت السرير.
في الأول افتكرتها كراسة رسم عادية، لكن أول ما فتحتها اتفاجئت.
كانت مليانة رسومات مرعبة بشكل احترافي جداً وشوش حزينة، ناس واقفة لوحدها، عيون باصة بعيد، وأغلب الرسومات كان فيها ولد قاعد في أوضة ضلمة لوحده.
كل رسمة كانت أهدى من اللي قبلها لكنها أوجع.
وقفت أتفرج على الصفحات واحدة واحدة، لحد ما وصلت لرسمة خلت قلبي يقع.
رسمة لولد واقف ورا باب مقفول، وفي الجهة التانية ست قاعدة لوحدها وبتعيط وبينهم حيطان كبيرة.
تحت الرسمة كان مكتوب بخط صغير أوقات بنخبي الحقيقة عشان

خايفين نخسر اللي بنحبهم.
قعدت على السرير ومقدرتش أتحرك.
لأول مرة استوعبت إن يوسف كان شايل جواه خوف أكبر بكتير من موضوع الحساسية أو العلامات كان خايف مني أنا.
مش خوف إني أضربه أو أزعقله لا.
خوف إنه يخذلني.
ومن اليوم ده بدأت أراقب ابني بطريقة مختلفة.
مش مراقبة شك مراقبة أم بتحاول تفهم.
بقيت أخد بالي إنه ساعات كتير بيسهر لوحده في البلكونة ويبص للشارع ساكت، وإنه لما يكلم أبوه في الفيديو كول يبان طبيعي، لكن أول ما المكالمة تخلص يسكت فجأة كأن حاجة اتكسرت جواه.
وفي ليلة، بعد ما خلصنا العشا، سألته بهدوء إنت زعلان من بابا؟
بصلي بسرعة وقال لا طبعاً.
لكن عنيه قالت حاجة تانية.
قربت منه أكتر وقلت يوسف أنا أمك. بعرف الزعل حتى لو مخبيه.
سكت شوية طويلة، وبعدها قال بصوت واطي هو بابا هيقعد هناك كتير؟
السؤال وجعني.
لأن الحقيقة إني مكنتش عارفة.
جوزي بقاله سنين بيقول إنه راجع قريب، وكل مرة الظروف تأجله أكتر. فلوس، شغل، إقامة دايماً في سبب جديد.
يوسف كبر وأبوه بعيد عنه.
كبر من غير ما يحضرله ماتش، أو ياخده يتمشى، أو حتى يقعد يسمع منه يومه.
وفجأة فهمت ليه يوسف ومروان كانوا متعلقين ببعض بالشكل ده لأن كل واحد فيهم كان بيدور على سند.
ومن بعدها بدأت أحاول أعوضه عن اللي ناقصه.
بقينا ننزل نتمشى سوا كل أسبوع، نتفرج على أفلام، أسيبه
يعلمني الرسم اللي بيحبه، وحتى المؤثرات السينمائية اللي كانت مرعباني بقيت أضحك وأنا بشوفه بيشرحها بحماس.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن ابني مش بس ابني حسيت إنه صاحبي.
لكن الدنيا مبتديش راحة كاملة بسهولة.
بعد حوالي شهر، جالي اتصال من المدرسة.
المدرسة طلبتني ضروري.
قلبي وقع فوراً.
جريت هناك وأنا متخيلة ألف مصيبة.
دخلت مكتب الأخصائية الاجتماعية، ولقيت يوسف قاعد ساكت ومتوتر.
الأخصائية قالتلي بهدوء متقلقيش بس إحنا لاحظنا إن يوسف بقى منطوي شوية، وفيه ولدين كانوا بيتريقوا عليه بسبب اهتمامه بالرسم والمكياج السينمائي.
حسيت الدم غلي جوايا.
لكن قبل ما أتكلم، يوسف قال بسرعة أنا كويس يا ماما.
بس هو مكنش كويس.
اكتشفت إن كام ولد في المدرسة كانوا بيضحكوا عليه ويقولوله إن اللي بيعمله غريب، وإن الفن ده مش للولاد.
رجعت البيت يومها وقلبي واجعني عليه.
لقيته قافل على نفسه أوضته.
دخلت بهدوء، لقيته قاعد قدام الرسومات بتاعته ووشه كله إحباط.
قلتله إنت زعلان عشان شوية ناس مش فاهمينك؟
قال بصوت مكسور يمكن هما عندهم حق.
وقتها مسكت الرسومات كلها وحطيتها قدامه وقلت الولد اللي يقدر يعمل ده عنده موهبة حقيقية والناس دايماً بتخاف من المختلف.
بصلي وسكت.
كملت إنت فاكر الناس كانت بتفهم أي حد ناجح من أول يوم؟
ولأول مرة شفت نظرة مختلفة في عينه
نظرة حد بدأ يصدق نفسه.
بعدها بأيام، عملتله مفاجأة صغيرة.
جمعت شوية من رسوماته وصوره للمؤثرات اللي بيعملها، وبعتهم لمسابقة أونلاين خاصة بالمواهب الفنية للمراهقين، من غير ما أقوله.
وعدى أسبوعين.
وفي يوم كنت بطبخ، سمعت صرخة من أوضته.
جريت مفزوعة.
دخلت لقيته واقف وعنيه مليانة دموع وهو ماسك الموبايل.
صرخت في إيه يا يوسف؟!
بصلي وهو بيضحك لأول مرة من قلبه من شهور وقال أنا كسبت يا ماما.
اتجمدت مكاني.
طلع إن شغله دخل ضمن أفضل أعمال في المسابقة، واتعرض عليه يحضر ورشة تدريب مجانية لفنانين شباب.
حضنته بقوة وأنا حاسة إن قلبي هينفجر من الفرحة.
في اللحظة دي بس فهمت حاجة مهمة جداً
إن اللي كنت فاكراه مشكلة وخطر، كان في الحقيقة موهبة بتحاول تطلع للنور.
ولو كنت فضلت أتعامل معاه بالخوف والشك بس، كان ممكن أطفّي الحاجة الوحيدة اللي مخلياه سعيد.
ومن يومها البيت اتغير.
بقى فيه ضحك أكتر.
أسرار أقل.
وخوف أقل.
حتى مروان بقى يساعده يصور فيديوهات صغيرة للمؤثرات، وأنا بقيت أول واحدة يتفرجوا قدامها على أي شغل جديد.
أما أنا
فبطلت أبص لابني كطفل لازم أتحكم فيه طول الوقت.
وبدأت أشوفه كشخص بيكبر، وبيكتشف نفسه، ومحتاج حضن وثقة أكتر من أي حاجة تانية.
ولحد النهارده، كل ما أشوف العلامات الحمرا القديمة اختفت من إيده، أفتكر إني أنا كمان اختفى
من جوايا خوف كبير
الخوف اللي كان هيضيع المسافة بيني وبين ابني للأبد.

 

تم نسخ الرابط