يوم فرحى

لمحة نيوز


قولتلها: "ولا يهمك، اقعدي قطعي السلطة بس."
الناس بدأت تضحك، والجو اتقلب عليهم من غير خناقة ولا صوت عالي.
حماتي كانت متغاظة، لكنها مش قادرة تتكلم قدام المعازيم.
وبعد ساعات، الأكل خلص والسفرة اتملت.
واحدة من قرايبهم الكبيرة بصتلي وقالت: "برافو يا بنتي، شكلك فاهمة الأصول صح… لا سايبة نفسك يركبوكي، ولا قليلة الذوق."
الكلمة دخلت قلب حماتي زي السهم.
لكن الضربة الحقيقية حصلت آخر اليوم…
بعد ما الناس مشيت، جوزي دخل المطبخ لقاني بغسل آخر كام طبق، فقرب مني وقال: "تعرفي؟ أمي عمرها ما احترمت حد بسهولة… بس النهارده أول مرة أشوفها ساكتة قدام واحدة."
ضحكت بتعب وقلت: "أنا مش عايزة أكسب حرب مع حد… أنا بس عايزة أعيش بكرامة."
مسك إيدي وبصلي بنظرة عمري ما هنساها وقال: "وعشان كده… أنا كل يوم بتأكد إني اخترت صح."
لكننا مكانناش نعرف إن اللي جاي بعد كده…
هيخلّي ليلة المواعين نفسها تبان حاجة بسيطة جدًا.بعدها بأسبوعين تقريبًا، كنت بدأت أحس إن الدنيا هديت شوية.
بقيت أعرف أتعامل، وأفهم إمتى أسكت وإمتى أرد، وجوزي بقى أقرب ليا جدًا بعد اللي حصل.
لحد الليلة اللي قلبت كل حاجة.
الساعة كانت داخلة على ١٢ بالليل، وإحنا نايمين، وفجأة سمعنا

خبط جامد على الباب.
جوزي قام مفزوع، فتح الباب، لقينا حماتي واقفة منهارة ووراها سلفتي الكبيرة بتعيط وتصرخ: "إلحقنا يا محمد! أخوكم الصغير عامل حادثة!"
في أقل من خمس دقايق كنا لابسين ونازلين على المستشفى.
أخو جوزي كان عامل حادثة بالعربية، والدنيا مقلوبة، والكل متوتر.
حماتي كانت بتصرخ وتعيط، وسلايفي تايهين، وكل واحد مستني التاني يتصرف.
من غير ما أفكر، بدأت أتحرك.
جبت للدكاترة الورق المطلوب، اتصلت ببنك الدم، وفضلت ألف بين الاستقبال والصيدلية وأجيب العلاج اللي ناقص.
حتى لما حماتي تعبت من العياط، أنا اللي جبتلها مية وقعدتها.
الساعات عدت صعبة جدًا… لحد ما الدكتور خرج وقال إن الحالة استقرت.
الكل سجد يشكر ربنا.
وفي اللحظة دي، حماتي بصتلي لأول مرة بنظرة مختلفة…
مش نظرة تحدي ولا أوامر… نظرة حد اتفاجئ.
عدينا الليلة ورجعنا البيت الفجر.
وأنا داخلة شقتي، سمعت حماتي بتنادي عليا.
وقفت مستغربة، فبصتلي وقالت بصوت واطي عمرها ما استخدمته معايا: "استني يا بنتي."
دي كانت أول مرة تقولها لي بالشكل ده.
قربت منها، فمدت إيدها بحاجة صغيرة ملفوفة في منديل أبيض.
فتحتها… لقيت غويشة دهب قديمة.
وقالت وهي بتتنهد: "دي كانت حماتي مديهالي يوم
ما دخلت البيت ده… وأنا للأسف مديتكيش غير التعب."
اتصدمت ومقدرتش أتكلم.
كملت وهي عينيها مليانة دموع: "كنت فاكرة إن الشدة هي اللي تخلي الكنة تعرف واجبها… زي ما اتعمل فيا زمان. بس الظاهر إني كنت بغلط وبكرر اللي اتعمل فيا."
الدموع نزلت مني من غير ما أحس.
قالت وهي بتحاول تخبي رعشة صوتها: "سامحيني على ليلة فرحك."
في اللحظة دي حسيت إن حمل كبير كان فوق قلبي واتشال.
حضنتها لأول مرة بصدق… مش مجاملة.
ومن يومها، البيت فعلًا اتغير.
مش بقى مثالي، ومبقيناش ملايكة… لكن بقى فيه احترام ورحمة.
وعرفت وقتها إن بعض الناس مش بيكونوا أشرار بطبعهم…
هم بس اتربوا على القسوة لدرجة إنهم افتكروا إنها العادي.
بس اللي يفرق فعلًا…
هو مين يقرر يوقف القسوة دي عنده، ومين يورثها لغيره.مرت سنة كاملة بعد الليلة دي…
سنة فيها شد وجذب، وضحك وزعل، لكن لأول مرة حسيت إن البيت بقى فيه روح مختلفة.
حماتي بقت كل شوية تحكي للناس قد إيه أنا واقفة جنبهم، وسلايفي اللي كانوا مستكترين عليا حتى الراحة، بقوا ييجوا ياخدوا رأيي في مشاكلهم.
لكن النهاية الحقيقية لكل اللي حصل… كانت في يوم ولادتي.
كنت تعبانة جدًا، والطلق شغال من ساعات، وجوزي ماسك إيدي ومش سايبني،
وحماتي واقفة برا الأوضة تدعي وتعيط.
وبعد ساعات طويلة… سمعت صوت بنتي لأول مرة.
الدنيا كلها وقتها سكتت جوايا.
الدكتورة خرجت وقالت: "مبروك… جالكم أحلى بنوتة."
حماتي دخلت عليا وهي شايلة البيبي، وعينيها مليانة دموع وفرحة.
قربت مني وباست راسي قدام الكل وقالت: "النهارده بس حسيت إن ربنا ردلي غلطي… سامحيني يا بنتي على أول يوم دخلتيه بيتنا."
بكيت وقتها، مش من الوجع… من الإحساس إني أخيرًا بقيت فرد من العيلة، مش دخيلة عليهم.
وبعدين عملت حاجة عمري ما أنساها.
بصت لبناتها وقالت قدامهم: "اسمعوا مني الكلمة دي كويس… أي واحدة هتدخل البيت ده بعد كده، تتشال فوق الراس. لا تتذل، ولا تنكسر، ولا يتعاد فيها اللي اتعاد زمان فينا."
سلايفي سكتوا، والكل كان باصص لها بدهشة.
أما جوزي، فكان واقف يبصلي بنفس النظرة اللي بصهالي ليلة المواعين…
نظرة الراجل اللي اختار يكون سند، مش متفرج.
وفي الليل، بعد ما الكل مشي، كنت قاعدة شايلة بنتي الصغيرة، وبفكر…
إزاي ليلة بدأت بدموع وقهر قدام حوض مليان مواعين…
انتهت ببيت اتغير، وقلب اتصلح، وطفلة داخلة الدنيا في عيلة اتعلمت أخيرًا إن الرحمة أهم من السيطرة.
وقتها بس فهمت إن بعض المعارك مش بنكسبها بالصوت
العالي…
بنكسبها لما نحافظ على كرامتنا، من غير ما نخسر إنسانيتنا.

تم نسخ الرابط